
في ليلة حملت من الرمزية بقدر ما حملت من الطرب، عادت الفنانة التونسية صوفية صادق إلى ركح مهرجان قرطاج الدولي، مساء الأربعاء 13 أوت 2025، بعد غياب دام ثماني سنوات، لتصافح جمهورها من جديد في عرض “سيدتي”، الذي انتظم تزامنا مع الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة التونسية والذكرى التاسعة والستين لصدور مجلة الأحوال الشخصية، في احتفاء جمع بين الفن والذاكرة وقيم الحرية والمواطنة.
وقبل أن تعتلي الفنانة الركح، ازدانت الشاشات العملاقة بصور وأسماء نساء تونسيات تركن بصماتهن في مجالات الفكر والطب والنضال والثقافة والفنون، من بينهن بشيرة بن مراد وتوحيدة بن الشيخ وهند صبري، في مشهد بصري تُوّج بعبارة: «كل عام ونساء تونس بألف خير»، ليمنح السهرة بعدها الاحتفائي ويؤكد أن المرأة كانت محور العرض وروحه.
وشهد الحفل حضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي ووزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري، في عرض نظمته وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، وجاء احتفاء بالفنانة التونسية وبالمرأة التونسية في آن واحد.
ومنذ اللحظات الأولى، فرضت صوفية صادق حضورها الركحي الهادئ والواثق، واستقبلها جمهور قرطاج بحفاوة كبيرة، في عودة أعادت وصل علاقة فنية امتدت لسنوات مع هذا المسرح العريق، الذي كان آخر لقاء لها به سنة 2017.
ورافقتها فرقة موسيقية بقيادة المايسترو راسم دمق، لتنطلق رحلة موسيقية تنقلت خلالها بسلاسة بين مقامات البياتي والراست والحجاز والكرد، مؤكدة مرة أخرى ما عرفت به من تمكن أكاديمي وصوت يمتلك مساحات واسعة وقدرة لافتة على الانتقال بين مختلف الألوان الموسيقية، من القصيدة والموشح إلى الأغنية الوطنية والرومانسية والطربية.
ولم يكن البرنامج مجرد تعاقب لأغانٍ متفرقة، بل بدا وكأنه بناء درامي متكامل، ينتقل من الوطن إلى الحب، ومن الذاكرة إلى الالتزام، في مسار موسيقي يستحضر المرأة بوصفها رمزا للحياة والصمود والانتماء.
واستهلت الفنانة السهرة بوصلة وطنية ضمت أغاني “يا تونس” و “تونس يا بلد النصر” و “عهد الله” و “يا بلادي إنت شمس” و “أقسمت بالوطن”، في تحية لتونس التي اعتبرتها أرضا كرّمت المرأة وكرّست حقوقها، قبل أن تنساب الأجواء نحو فضاءات أكثر شاعرية مع أغنيات “أنا فايقة” و “خدعونا” و “حرام عليك” و “تعرفني أنا نموت عليك” و “من الغربة ملّينا”، حيث حضرت المرأة بصورتها الإنسانية؛ عاشقة وحالمة وقادرة على النهوض رغم الخيبات.
ومن خلال كوكتال من الأغاني التونسية، أعادت صوفية صادق إحياء جانب من الذاكرة الموسيقية الوطنية، فاستحضرت أعمالا خالدة مثل “بنت العرجون” و “بالله يا حمد” و “ساق نجعك” و “مريض فاني” و “أليف يا سلطاني”، بمرافقة عزف متميز للكمان، أعاد إلى الجمهور نكهة الأغنية التونسية الأصيلة.
كما قدّمت باقة من أشهر أعمالها باللهجة التونسية، من بينها “عامل فيّا لنحبّو” و “تدلّل” و “برا اعمل على روحك” و “يهبّل” و “يا مجنون”، مؤكدة ارتباطها بالهوية الموسيقية المحلية، قبل أن تعبر إلى فضاء الأغنية العربية عبر مختارات مثل “تحلى الليالي” و “مراسيلك” و “عشقتك”، لتبرز قدرتها على الجمع بين الشخصية الفنية التونسية والانفتاح على المدرسة الشرقية.
ولم تغب القضية الفلسطينية عن السهرة، إذ خصصت لها الفنانة فقرة كاملة أدت خلالها “القدس تصيح” و “استيقظي يا أمتي” و”إله العرش”، في لحظة امتزج فيها الغناء بالموقف، وتحول فيها الركح إلى فضاء للتعبير عن التضامن والوفاء للقضية الفلسطينية. كما استحضرت إرث الأغنية الملتزمة من خلال أعمال الشيخ إمام، قبل أن تؤدي مختارات من روائع أم كلثوم، منها “لحب كله” و “أغدا ألقاك” و”بعيد عنك”، مؤكدة رسوخ تجربتها في أداء الطرب العربي الأصيل.
واختتمت صوفية صادق السهرة بالعودة إلى أغنية “يا تونس”، وكأنها تؤكد أن الوطن كان بداية الحكاية ونهايتها، في عرض تجاوز حدود الحفل الغنائي ليغدو احتفاء بالمرأة، وبالذاكرة الوطنية، وبالفن الذي يجمع بين الهوية والانفتاح.
وتعد صوفية صادق واحدة من أبرز الأصوات النسائية في تونس، إذ عرفت بصوتها القوي وحضورها الركحي المتميز، وقدمت الأغنية الطربية برؤية معاصرة حافظت من خلالها على القيم الجمالية للموسيقى العربية الكلاسيكية. كما أسهم تكوينها الأكاديمي بالمعهد العالي للموسيقى بتونس في صقل أدواتها الفنية، وهو ما يتجلى في تمكنها من أداء مختلف الأنماط الموسيقية، من القصيدة والموشح إلى الأغنية الوطنية والرومانسية، لتؤكد مرة أخرى، على ركح قرطاج، أنها لا تزال من أبرز الأصوات القادرة على الجمع بين الأصالة والتجديد.
ملاك الشوشي






الله واحد بنت بلادنا ماكيفك حد