من الإنذار المبكر إلى العمل الاستباقي : تونس تحتضن المنتدى العربي الثاني لرسم مستقبل الاستعداد للكوارث وتعزيز القدرة على الصمود

انطلقت اليوم في الجمهورية التونسية أعمال المنتدى العربي الإقليمي الثاني لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث، بمشاركة ممثلي الحكومات العربية والمنظمات الإقليمية والدولية والمؤسسات العلمية والفنية والجهات الإنسانية والإنمائية، في محطة إقليمية تسعى إلى تسريع الانتقال من التنبؤ بالمخاطر وإصدار التحذيرات إلى اتخاذ إجراءات استباقية تحمي الأرواح وسبل العيش وتحد من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية. وعلى مدى ثلاثة أيام، من 12 إلى 14 أكتوبر، يضع المنتدى أمام المنطقة العربية استحقاقاً استراتيجياً يتجاوز تطوير التكنولوجيا إلى بناء منظومة متكاملة للوقاية والتأهب والاستجابة، في وقت تتزايد فيه المخاطر المناخية والطبيعية وتتداخل مع الهشاشة الاجتماعية والأزمات الممتدة وضغوط التنمية.
تونس منصة للحوار العربي حول أمن الإنسان والمخاطر المناخية
إستضافت تونس أعمال المنتدى العربي الإقليمي الثاني لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث، الذي يتواصل إلى غاية 14 أكتوبر الجاري، بمبادرة من جامعة الدول العربية وبالشراكة مع عدد من المنظمات الأممية والإقليمية والدولية المعنية بالحد من مخاطر الكوارث، والتنبؤ بالمخاطر، والاتصالات، والتأهب الإنساني، وحماية سبل العيش.
وتُعقد أعمال المنتدى في فندق رويال أسبو تونس، بمشاركة يُتوقع أن تتجاوز 150 مشاركاً يمثلون الدول العربية، ومؤسسات إدارة الكوارث والأرصاد الجوية والهيدرولوجيا والحماية المدنية، والهيئات العلمية والجامعات، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، وشركاء التنمية والعمل الإنساني.
وتنظم جامعة الدول العربية المنتدى بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، والمنظمة الدولية للهجرة، والاتحاد الدولي للاتصالات، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، والمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر، فيما يساهم اتحاد إذاعات الدول العربية في استضافة المنتدى ودعم ترتيباته الإعلامية والتنظيمية.
ويأتي انعقاد هذا المنتدى في سياق إقليمي يتسم بتزايد المخاطر الطبيعية والمناخية وتداخل آثارها، ما يجعل تطوير نظم الإنذار المبكر متعددة المخاطر وتعزيز التأهب والاستجابة الاستباقية من الأولويات الاستراتيجية لحماية السكان والحد من الخسائر البشرية والاقتصادية.
ويعكس تنوع الجهات المشاركة طبيعة التحدي المطروح، إذ لا تقتصر فعالية نظم الإنذار المبكر على القدرة على رصد الأخطار والتنبؤ بها، بل تتطلب تكاملاً بين المعرفة العلمية والقرار الحكومي والبنية التحتية للاتصالات والتخطيط الاقتصادي والقدرات الإنسانية والاستعداد المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، تشكل أعمال المنتدى فرصة لتعزيز التنسيق الإقليمي، واستعراض التقدم المحرز في الدول العربية، وتحديد الفجوات التي لا تزال تعوق تطوير هذه النظم، فضلاً عن بحث فرص الشراكة والاستثمار وتبادل الخبرات والممارسات الناجحة.
كما تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل التفاوت بين الدول العربية في الإمكانات التقنية والمالية والمؤسسية، الأمر الذي يستدعي تعزيز التعاون وتبادل المعرفة وبناء القدرات، بما يضمن توسيع نطاق الحماية وتحسين وصول التحذيرات إلى جميع الفئات السكانية، ولا سيما المجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر.
وتتواصل أعمال المنتدى على مدى ثلاثة أيام، من خلال جلسات تتناول تعزيز المعرفة بمخاطر الكوارث، وتطوير قدرات الرصد والتنبؤ، وتحسين إيصال التحذيرات عبر وسائل الاتصال الحديثة، إلى جانب الاستثمار في التأهب والعمل المبكر وتعزيز دور المجتمعات المحلية في بناء القدرة على الصمود.
ومن المنتظر أن تسهم المناقشات في تحديد أولويات العمل العربي المشترك وتطوير توصيات إقليمية تدعم تنفيذ مبادرة الأمم المتحدة « الإنذار المبكر للجميع »، بما يعزز الانتقال من إصدار التحذيرات إلى اتخاذ إجراءات وقائية استباقية تحمي الأرواح وسبل العيش وتدعم التنمية المستدامة.

منطقة عربية أمام مخاطر متشابكة تتجاوز الحدود
لم تعد المخاطر الطبيعية والمناخية التي تواجه المنطقة العربية أحداثاً منفصلة أو أزمات يمكن التعامل معها بعد وقوعها فحسب. فقد أصبحت ندرة المياه والجفاف المطول وموجات الحر الشديدة والفيضانات المفاجئة وحرائق الغابات والعواصف الرملية والترابية والأعاصير المدارية والزلازل وارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل السواحل عناصر متداخلة في مشهد إقليمي معقد.
وتتضاعف آثار هذه المخاطر عندما تتزامن مع التوسع العمراني غير المراعي لمتطلبات السلامة، والتدهور البيئي، والضغوط على الموارد الطبيعية، والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، والنزوح السكاني، وتضرر البنية التحتية، وتراجع قدرة بعض المؤسسات على توفير الخدمات الأساسية.
فالجفاف، على سبيل المثال، لا يقتصر تأثيره على انخفاض التساقطات، بل قد يمتد إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وزيادة الضغط على الموارد المائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتهديد مصادر دخل الأسر الريفية، وتفاقم مخاطر انعدام الأمن الغذائي.
وبالمثل، لا تتوقف آثار الفيضانات عند الأضرار المباشرة التي تلحق بالمساكن والطرق والمنشآت، بل قد تؤدي إلى تعطيل الخدمات الصحية والتعليمية، وتضرر شبكات المياه والكهرباء، وانقطاع سلاسل الإمداد، وارتفاع الاحتياجات الإنسانية.
وتتطلب هذه المخاطر المتشابكة تجاوز المقاربات القطاعية الضيقة نحو تخطيط يأخذ في اعتبار العلاقة بين المناخ والمياه والزراعة والصحة والطاقة والنقل والتنمية الحضرية.
ومن هذه الزاوية، يمثل الإنذار المبكر أداة استراتيجية لإدارة المخاطر قبل تحولها إلى أزمات واسعة النطاق، لأنه يساعد على تحديد المناطق الأكثر تعرضاً للخطر، وتوجيه الموارد، وتهيئة المؤسسات والمجتمعات لاتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب.
لكن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بقدرة الدول على التنبؤ بوقوع الخطر، وإنما بمدى قدرتها على تحويل هذه المعرفة إلى قرارات عملية تقلل من حجم الخسائر وتحمي الفئات الأكثر عرضة للتأثر.
مبادرة « الإنذار المبكر للجميع » : استحقاق عالمي يقترب من محطة 2027
يأتي انعقاد المنتدى في سياق الجهود الدولية الرامية إلى تنفيذ مبادرة « الإنذار المبكر للجميع » (EW4All)، التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة عام 2022، بهدف ضمان حماية كل شخص على وجه الأرض من خلال نظم إنذار مبكر متعددة الأخطار ومتمحورة حول الإنسان بحلول عام 2027.
وتستند المبادرة إلى أربع ركائز أساسية ومتكاملة تشكّل مجتمعةً منظومة متكاملة للوقاية من الكوارث والحد من آثارها. تتمثل الركيزة الأولى في المعرفة بمخاطر الكوارث، من خلال تحديد الأخطار ومناطق التعرض لها، وتحليل أوجه هشاشة السكان والبنية التحتية والموارد الحيوية.
فيما تتعلق الركيزة الثانية بـالرصد والتنبؤ، عبر تطوير القدرات العلمية والتقنية اللازمة لمراقبة الظواهر الخطرة واستشراف حدوثها وتقدير آثارها المحتملة.
أما الركيزة الثالثة، فتتمثل في نشر التحذيرات والتواصل بشأنها، بما يضمن إيصال رسائل واضحة وموثوقة وفي الوقت المناسب إلى جميع الفئات المعرضة للمخاطر.
وتتمثل الركيزة الرابعة في التأهب والاستجابة، من خلال تعزيز جاهزية المؤسسات والمجتمعات، وتوفير الخطط والموارد اللازمة لاتخاذ التدابير الوقائية والاستجابة بفاعلية قبل وقوع الكوارث وأثناءها.
ويظل التكامل بين هذه الركائز شرطاً أساسياً لضمان ألا تتوقف فعالية الإنذار المبكر عند التنبؤ بالخطر، بل تمتد إلى تحويل المعلومات والتحذيرات إلى إجراءات عملية تسهم في حماية الأرواح وسبل العيش والحد من الخسائر.
وتكمن قوة هذه المقاربة في ترابط ركائزها؛ إذ لا يكفي أن تتوافر معلومات دقيقة عن الخطر إذا لم تُترجم إلى تحذيرات تصل إلى السكان، كما لا تكفي التحذيرات إذا لم تكن هناك خطط للإخلاء أو موارد للتدخل أو إجراءات تسمح بتقليل الأضرار.
ومع اقتراب عام 2027، تتجه الأولويات العالمية نحو الانتقال من توسيع إنشاء نظم الإنذار المبكر إلى ضمان استدامتها وفاعليتها التشغيلية وملكيتها الوطنية وشمولها لمختلف فئات المجتمع.
ويعني ذلك أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تقييم أكثر دقة لما تحقق، وتحديد الفجوات التقنية والمؤسسية والمالية، وتطوير آليات متابعة تسمح بقياس الأثر الفعلي للأنظمة في حياة السكان.
وفي المنطقة العربية، تزداد أهمية هذا التحول بسبب اختلاف طبيعة المخاطر بين الدول، وتفاوت قدراتها على الرصد والتنبؤ والاتصال والاستجابة، إلى جانب التحديات الإضافية التي تواجه المناطق الهشة والمتأثرة بالنزاعات والأزمات الإنسانية.
ومن ثم، يسعى المنتدى إلى الإسهام في صياغة رؤية عربية مشتركة تتجاوز الإعلان عن الالتزامات نحو تحديد الأولويات التشغيلية، وتعزيز الاستثمارات، وتطوير التعاون الإقليمي، بما يدعم تنفيذ المبادرة العالمية ويمنح المنطقة دوراً فاعلاً في المشاورات الدولية المقبلة.
البناء على المنتدى الأول : من تشخيص الفجوات إلى تسريع التنفيذ
يشكل المنتدى الحالي امتداداً للمسار الذي أطلقه المنتدى العربي الإقليمي الأول لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث، الذي انعقد في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة في ديسمبر 2025.
وقد أتاح اللقاء الأول مساحة للحكومات والشركاء الإقليميين والدوليين والمؤسسات العلمية والإنسانية لاستعراض التقدم المحرز، ومناقشة التحديات المرتبطة بتطوير نظم الإنذار المبكر، وتعزيز التعاون في مجالات المعرفة بالمخاطر والتنبؤ والتواصل والتأهب.
أما المنتدى الثاني، فيسعى إلى البناء على تلك المخرجات من خلال تقييم التقدم الإقليمي، وتحديد الفجوات التي تتطلب تدخلاً عاجلاً، واستعراض الممارسات المبتكرة، وتعزيز الشراكات، وتحديد فرص الاستثمار التي يمكن أن تسرع تنفيذ نظم إنذار مبكر متعددة المخاطر ومستدامة.
وهنا يبرز أحد أهم الاختبارات التي تواجه العمل العربي المشترك : كيف يمكن الانتقال من الاتفاق على أهمية الإنذار المبكر إلى بناء آليات تنفيذ واضحة، تحدد الأولويات والمسؤوليات والموارد المطلوبة وطرق قياس النتائج؟
فنجاح السياسات في هذا المجال لا يقاس بعدد المؤتمرات أو الوثائق أو الأنظمة التقنية التي يجري إطلاقها، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في مستوى الحماية، وتقليص زمن الاستجابة، وتحسين وصول التحذيرات، والحد من الخسائر البشرية والمادية.
ومن الضروري لذلك أن تتضمن التوصيات الإقليمية مؤشرات عملية لقياس الأداء، وأن تحدد المجالات التي تحتاج إلى دعم فني أو تمويل إضافي، وأن تشجع تبادل الخبرات بين الدول العربية، بما يسمح بالاستفادة من التجارب القابلة للتطبيق والتوسع.
اليوم الأول : تعزيز التكامل بين المعرفة العلمية والتنبؤ والاتصالات
تركزت أعمال اليوم الأول، الاثنين 12 أكتوبر، على تسريع تنفيذ مبادرة « الإنذار المبكر للجميع » وتعزيز التعاون الإقليمي، من خلال استعراض واقع نظم الإنذار المبكر في المنطقة العربية، ومناقشة التحديات المرتبطة بتطوير القدرات الوطنية والتنسيق بين المؤسسات المعنية.
وتناولت الجلسات موضوعات تشمل المعرفة بمخاطر الكوارث، مع التركيز على النزوح والتنقل البشري والسياقات الهشة، ثم تعزيز الرصد والتنبؤ من خلال التنبؤ القائم على الأثر، وصولاً إلى دور الاتصالات الرقمية والبث الخلوي وبروتوكول التنبيه المشترك في إيصال التحذيرات إلى السكان.
المعرفة بالمخاطر : أساس التخطيط الفعال
تبدأ فعالية الإنذار المبكر من فهم طبيعة الخطر، وتحديد من يمكن أن يتضرر منه، والمناطق التي يحتمل أن يتأثر فيها السكان والبنية التحتية.
فالتنبؤ بأمطار غزيرة، على سبيل المثال، لا يكفي وحده لتحديد حجم الخطر. إذ ينبغي معرفة المناطق المنخفضة المعرضة للغمر، وحالة شبكات تصريف المياه، وكثافة السكان، ومواقع المستشفيات والمدارس، ومدى توافر طرق الإخلاء.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في المناطق التي تشهد نزوحاً أو تنقلاً بشرياً أو أزمات ممتدة، حيث قد تواجه الفئات المتأثرة صعوبات في الوصول إلى المعلومات والخدمات، وقد تكون بياناتها غير مكتملة أو سريعة التغير.
ولهذا، فإن تعزيز المعرفة بالمخاطر يتطلب تحديث البيانات بصورة مستمرة، وتحسين تبادل المعلومات بين المؤسسات، وربط المعطيات العلمية بالمعلومات السكانية والاجتماعية، مع مراعاة حماية البيانات الشخصية وضمان عدم استبعاد الفئات الأقل ظهوراً في السجلات الرسمية.
التنبؤ القائم على الأثر : ماذا سيحدث، ومن سيتأثر، وما الإجراء المطلوب؟
تنتقل أهمية التنبؤ الحديث من وصف الظاهرة الطبيعية إلى تقدير آثارها المحتملة على السكان والقطاعات الحيوية.
فبدلاً من الاكتفاء بتوقع تساقطات قوية في منطقة معينة، ينبغي أن تساعد المعلومات على تحديد الأحياء الأكثر عرضة للغمر بالمياه، والطرق التي قد تنقطع، والمنشآت التي تحتاج إلى حماية، والفئات التي قد تتطلب إجلاءً أو دعماً عاجلاً.
وهذا التحول يستدعي تكاملاً بين خدمات الأرصاد الجوية والهيدرولوجيا، والبيانات الجغرافية، ومعلومات البنية التحتية، وخطط الحماية المدنية، وآليات اتخاذ القرار.
كما يتطلب تعزيز التواصل بين المؤسسات العلمية والجهات التنفيذية، حتى لا تبقى التوقعات في شكل بيانات تقنية يصعب تحويلها إلى إجراءات ميدانية.
الاتصالات الرقمية : ضمان وصول التحذير إلى الجميع
يمثل إيصال التحذيرات الحلقة التي تصل بين المعرفة العلمية وحماية الإنسان. ولهذا، يناقش المنتدى إمكانات البث الخلوي وبروتوكول التنبيه المشترك (CAP)، إلى جانب الابتكار الرقمي وسبل تعزيز الاتصالات الشاملة والمتمحورة حول الإنسان.
ويمكن للبث الخلوي، عند توافر البنية التحتية والتغطية المناسبة، أن يتيح إرسال رسائل تحذيرية إلى الهواتف الموجودة ضمن منطقة جغرافية محددة. كما يساعد بروتوكول التنبيه المشترك على توحيد بنية رسائل التحذير وتسهيل توزيعها عبر قنوات اتصال مختلفة.
لكن لا تكفي التكنولوجيا وحدها. فهناك سكان لا تتوافر لديهم تغطية مستقرة، وآخرون لا يستخدمون الهواتف الذكية، وفئات قد تحتاج إلى رسائل صوتية أو لغات مبسطة أو وسائل اتصال ميسّرة.
لذلك، ينبغي أن تجمع منظومة الإنذار بين الاتصالات المحمولة والإذاعة والتلفزيون والسلطات المحلية وشبكات المتطوعين، وأن تضمن وضوح الرسائل ومصداقيتها وتحديد الإجراءات المطلوبة منها.
وتبرز هنا أهمية الإعلام، الذي لا يقتصر دوره على نقل أخبار الكوارث، بل يمتد إلى نشر الوعي بالمخاطر، وتفسير التحذيرات، وتعزيز ثقافة الاستعداد، ومواجهة المعلومات المضللة خلال حالات الطوارئ.
اليوم الثاني : « القدرة على الصمود تبدأ من المنزل »
يشكل الثلاثاء 13 أكتوبر محطة محورية في أعمال المنتدى، إذ يتزامن مع إحياء اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث لعام 2026، تحت شعار « القدرة على الصمود تبدأ من المنزل ».
وتؤكد هذه المناسبة أن بناء القدرة على الصمود لا يبدأ عند وقوع الكارثة، ولا يقتصر على خطط الحكومات والمؤسسات، بل يبدأ أيضاً من معرفة الأفراد والأسر بالمخاطر المحيطة بهم، وقدرتهم على الاستعداد واتخاذ الإجراءات الوقائية.
فالأسرة التي تعرف طرق الإخلاء، وتدرك كيفية التعامل مع التحذيرات، وتحدد وسائل التواصل في حالات الطوارئ، وتعرف احتياجات أفرادها الأكثر هشاشة، تكون أكثر استعداداً لمواجهة المخاطر من أسرة لا تمتلك معلومات واضحة أو خطة مسبقة.
غير أن مسؤولية الاستعداد الأسري لا تعني نقل عبء الحماية من المؤسسات إلى المواطنين؛ فبناء القدرة على الصمود مسؤولية مشتركة، تتطلب من الحكومات توفير المعلومات والموارد والخدمات الأساسية، ومن السلطات المحلية إعداد خطط قابلة للتنفيذ، ومن المدارس وأماكن العمل تعزيز ثقافة الوقاية، ومن الإعلام توصيل الرسائل بطريقة واضحة وموثوقة.
من الإنذار إلى العمل المبكر
يتناول برنامج اليوم الثاني العلاقة بين الإنذار المبكر والعمل الاستباقي، مع التركيز على التأهب المجتمعي، والشراكات، والتمويل المستدام، والممارسات المحلية التي يمكن أن تحسن قدرة السكان على مواجهة المخاطر.
فالإنذار الذي يصل قبل ساعات من وقوع فيضان لا يحقق الغاية المرجوة إذا لم تكن هناك خطة للإخلاء، أو إذا لم تتوافر وسائل نقل للفئات التي تحتاج إلى المساعدة، أو إذا لم تكن مراكز الإيواء جاهزة لاستقبال السكان.
وبالمثل، فإن توقع موجة حر لا يكفي ما لم تترجم المعلومات إلى تدابير لحماية كبار السن والأطفال والعاملين في الخارج والأشخاص الذين يعانون صعوبات في الوصول إلى الرعاية والخدمات الأساسية.
ويقتضي العمل المبكر تحديد عتبات واضحة للتحرك، وربط التوقعات بقرارات مسبقة، وتجهيز الموارد اللازمة قبل وقوع الخطر. ويمكن أن يشمل ذلك تهيئة الملاجئ، وتوفير المياه، وحماية المنشآت الحيوية، وتعديل بعض الأنشطة الزراعية، أو تقديم دعم استباقي للمجتمعات التي تواجه مخاطر فقدان سبل العيش.
التجربة المحلية : المجتمع شريك في الحماية
يخصص المنتدى مساحة لعرض ممارسات تقودها المجتمعات المحلية، مع تركيز خاص على تجارب من تونس، في إطار محور يؤكد أن القدرة على الصمود تبدأ من المنزل.
وتتمثل أهمية هذا التوجه في الاستفادة من المعرفة المحلية التي يمتلكها السكان بشأن المناطق المعرضة للخطر، وطرق الوصول والإخلاء، والفئات التي تحتاج إلى المساعدة، والموارد التي يمكن تعبئتها في حالات الطوارئ.
كما يتيح إشراك النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن والنازحين والمنظمات المجتمعية التعرف إلى الاحتياجات التي قد لا تظهر في التخطيط المركزي.
ويقتضي ذلك أن تكون المجتمعات المحلية شريكاً في تصميم خطط التأهب وتنفيذها وتقييمها، لا مجرد جهة تتلقى التعليمات عند وقوع الكارثة.
فكلما كانت الخطط أقرب إلى واقع السكان، وأكثر استجابة لاحتياجاتهم، زادت فرص تطبيقها بنجاح، وتعززت الثقة بين المؤسسات والمجتمع.
التمويل : ضمان استمرارية الحماية
يتناول اليوم الثاني أيضاً تمويل مستقبل نظم الإنذار المبكر، في ظل الحاجة إلى استثمارات مستدامة تسمح بتشغيل محطات الرصد وصيانتها، وتحديث أنظمة الاتصال، وتدريب الكوادر، وتطوير قواعد البيانات، واختبار خطط الطوارئ.
ويستدعي ذلك إدراج الإنذار المبكر ضمن الموازنات الوطنية وخطط التنمية والتكيف مع تغير المناخ، إلى جانب استكشاف فرص التعاون مع مصارف التنمية والمؤسسات المالية الدولية وآليات تمويل المناخ والقطاع الخاص.
ولا ينبغي أن يقتصر التمويل على إنشاء البنية التحتية، بل يجب أن يغطي تكاليف التشغيل والصيانة والتدريب والتحديث والتواصل المجتمعي.
كما ينبغي توجيه الموارد وفقاً لمستوى المخاطر والاحتياجات، بما يضمن حصول المناطق النائية والمجتمعات الهشة على الحماية اللازمة، وعدم تركيز الاستثمارات في المناطق الأكثر قدرة على جذب التمويل.
فالاستثمار في الوقاية لا يمثل عبئاً تنموياً إضافياً، بل وسيلة لحماية الاستثمارات القائمة وتقليل الخسائر التي قد تترتب على الكوارث.
اليوم الثالث : الذكاء الاصطناعي والتوقعات المناخية ومستقبل الإنذار المبكر
يخصص الأربعاء 14 أكتوبر لاستشراف مستقبل نظم الإنذار المبكر، من خلال مناقشة المعلومات المناخية والتوقعات الموسمية، والاستعداد للمخاطر المحتملة المرتبطة بظاهرة النينيو، ودور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة في تطوير قدرات الرصد والتنبؤ.
وتتجه المناقشات كذلك إلى حماية الأرواح وسبل العيش والأمن الغذائي قبل وقوع الصدمات، ثم صياغة الرؤية العربية والأولويات الإقليمية لتعزيز نظم الإنذار المبكر متعددة المخاطر.
الذكاء الاصطناعي في خدمة الحماية
تتيح التطورات التقنية فرصاً جديدة لتحليل كميات كبيرة من البيانات المناخية والجغرافية، ورصد الأنماط التي قد تساعد على تحسين التنبؤ بالمخاطر، وتحديد المناطق الأكثر عرضة للتأثر، وتسريع معالجة المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار.
كما يمكن للأدوات الرقمية أن تساعد على دمج البيانات الواردة من مصادر متعددة، وتطوير الخرائط، وتحسين توجيه التحذيرات، ودعم التخطيط للاستجابة.
لكن تتطلب الاستفادة من هذه الإمكانات الحذر من الاعتماد غير المشروط على الأنظمة الذكية. فقد تتأثر النماذج بنقص البيانات أو ضعف جودتها، كما قد تتراجع موثوقيتها في المناطق التي تفتقر إلى سجلات رصد كافية.
وتطرح هذه التحديات ضرورة الاستثمار في القدرات العلمية الوطنية، والتحقق من نتائج النماذج، وحماية البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، وضمان استمرار الأنظمة عند انقطاع الاتصالات أو الكهرباء.
والهدف ليس اعتماد التكنولوجيا لمجرد حداثتها، بل توظيفها بصورة مسؤولة لتحسين القرارات وحماية السكان.
الاستعداد لظاهرة النينيو والمخاطر المتسلسلة
تسلط جلسات اليوم الثالث الضوء على استخدام المعلومات المناخية والتوقعات الموسمية للاستعداد للمخاطر المحتملة المرتبطة بظاهرة النينيو والتقلبات المناخية.
وتنبع أهمية هذا المحور من ضرورة ربط التوقعات المناخية باحتياجات القطاعات الحيوية، بما فيها المياه والزراعة والصحة والطاقة والأمن الغذائي.
فتصبح المعلومات الموسمية أكثر قيمة عندما تساعد الجهات المعنية على اتخاذ قرارات مبكرة، مثل تعديل خطط إدارة المياه، أو تعزيز استعداد القطاع الزراعي، أو حماية الفئات المعرضة لموجات الحر، أو تجهيز الموارد اللازمة لمواجهة آثار محتملة على سبل العيش.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع التوقعات المناخية باعتبارها أدوات لدعم القرار، لا ضمانات بوقوع سيناريو محدد. فتختلف التأثيرات بحسب المناطق والظروف المحلية، وهو ما يستدعي الجمع بين المعلومات العلمية والتقييمات الوطنية والإقليمية للمخاطر.
الشراكة العربية : من تبادل الخبرات إلى بناء منظومة مشتركة
تؤكد طبيعة المنتدى أن تعزيز نظم الإنذار المبكر يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار وتكاملاً بين المؤسسات المعنية.
فتضطلع جامعة الدول العربية بدور محوري في التنسيق بين الدول الأعضاء وتعزيز العمل العربي المشترك، بينما يدعم مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث تنفيذ إطار سنداي والاستراتيجيات ذات الصلة.
وتسهم المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تطوير قدرات الرصد والتنبؤ والخدمات المناخية والهيدرولوجية، فيما يعزز الاتحاد الدولي للاتصالات استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لإيصال التحذيرات وتطوير البنية التحتية الرقمية.
وتدعم المنظمة الدولية للهجرة الجهود المرتبطة بالنزوح والتنقل البشري وتأهب المجتمعات المتأثرة بالأزمات، بينما يعمل الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر على تعزيز التأهب المجتمعي والعمل الاستباقي والحد من المخاطر من خلال الجمعيات الوطنية والمتطوعين.
أما منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، فتسهم في حماية النظم الزراعية والغذائية وسبل العيش الريفية، في حين تعزز المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر التعاون بين الجمعيات الوطنية في المنطقة ودعم القدرات الإنسانية.
ويؤدي اتحاد إذاعات الدول العربية دوراً مهماً في دعم الترتيبات الإعلامية للمنتدى وتعزيز مساهمة وسائل الإعلام في نشر الوعي بالمخاطر وإيصال رسائل الإنذار المبكر إلى الجمهور.
وتتكامل هذه الأدوار مع مسؤوليات الحكومات والسلطات المحلية والمؤسسات العلمية والجامعات وشركات الاتصالات ومزودي الخدمات الرقمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
غير أن الشراكة الفعالة لا تتحقق بمجرد حضور مختلف الأطراف، بل تحتاج إلى آليات دائمة لتبادل المعلومات، وتحديد المسؤوليات، وتنسيق التمويل، ومتابعة تنفيذ القرارات، وقياس أثرها على أرض الواقع.
كما أن التعاون بين الدول العربية يمكن أن يتيح تبادل الخبرات والتجارب الناجحة، وتطوير القدرات الوطنية، والاستفادة من إمكانات التعاون بين بلدان الجنوب، بما يساعد على تقليل الفجوات وتعزيز القدرة الجماعية على مواجهة المخاطر المشتركة.
من المنتدى إلى عام 2028 : ما النتائج التي ستحدد نجاح المسار؟
يهدف المنتدى إلى بلورة تفاهم مشترك بشأن أولويات تطوير نظم الإنذار المبكر متعددة المخاطر، وتحديد الفجوات التي تحتاج إلى دعم فني ومالي، وتعزيز الشراكات، وتوثيق الممارسات الوطنية والإقليمية القابلة للتوسع.
ومن المنتظر أن تسهم المناقشات في إعداد توصيات إقليمية ومدخلات عربية للعملية التشاورية الإقليمية والعالمية لمبادرة « الإنذار المبكر للجميع »، إلى جانب دعم إعداد تقرير توليفي إقليمي عربي يُرتقب نشره في عام 2027.
كما يُنتظر أن تسهم مخرجات المسار في إثراء المنصة الإقليمية العربية للحد من مخاطر الكوارث لعام 2027 والمنصة العالمية للحد من مخاطر الكوارث لعام 2028.
ولكن أي بيان ختامي أو وثيقة رسمية للمنتدى، فستظل مخرجات منتظرة إلى حين اعتمادها والإعلان عنها من الجهات المنظمة.
وتتوقف القيمة العملية لهذه النتائج على مدى قدرتها على تحديد أولويات قابلة للتنفيذ، وربطها بمسؤوليات واضحة ومصادر تمويل ومؤشرات متابعة.
فالمطلوب ليس فقط تأكيد الحاجة إلى نظم إنذار مبكر أفضل، بل تحديد المناطق والقطاعات التي تحتاج إلى تدخل عاجل، والفجوات التي تعوق وصول التحذيرات، وآليات دعم المجتمعات المحلية، والموارد الضرورية لاستدامة الأنظمة.
كما ينبغي أن تأخذ التوصيات في الاعتبار اختلاف الظروف الوطنية، بحيث تستند إلى معايير مشتركة للحماية والتنسيق، مع إتاحة المرونة اللازمة لتكييف الحلول مع طبيعة المخاطر والقدرات المتاحة في كل دولة.
الإعلام شريك في الوقاية وليس مجرد ناقل للأخبار
يحظى الإعلام بمكانة أساسية في منظومة الإنذار المبكر، نظراً إلى دوره في نقل المعلومات، وتفسير التوقعات، وتعزيز الثقة بالتحذيرات، ومساعدة الجمهور على فهم الإجراءات التي ينبغي اتخاذها.
وتبرز أهمية هذا الدور خلال الكوارث، حين يمكن للمعلومات غير الدقيقة أو المتأخرة أو المتناقضة أن تعرقل الاستجابة وتزيد من المخاطر.
ومن ثم، فإن تطوير نظم الإنذار المبكر يجب أن يترافق مع تطوير الاتصال العام، وتعزيز التنسيق بين السلطات ووسائل الإعلام، وإعداد رسائل واضحة تتناسب مع طبيعة الخطر والفئات المستهدفة.
كما ينبغي أن يمتد الدور الإعلامي إلى التوعية المسبقة، عبر التعريف بالمخاطر المحلية، وشرح إجراءات الاستعداد، ونشر الممارسات التي تساعد الأسر والمدارس وأماكن العمل على بناء خطط عملية للطوارئ.
وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة اتحاد إذاعات الدول العربية أهمية خاصة، باعتبار الإعلام أحد المسارات التي تصل عبرها التحذيرات إلى الجمهور، إلى جانب قنوات الاتصال الرقمية والمؤسسات المحلية وشبكات المتطوعين.
الإنذار المبكر حق في الحماية ومسؤولية مشتركة
يضع المنتدى العربي الإقليمي الثاني لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث المنطقة أمام فرصة لتجديد الالتزام بالوقاية، وتعزيز التعاون، وتطوير منظومات أكثر شمولاً وفاعلية واستدامة.
وتتجاوز أهمية هذا المسار مسألة تحسين التنبؤ بالظواهر الطبيعية، لتشمل حماية الأرواح وسبل العيش، وتقليل الخسائر الاقتصادية، والحفاظ على الخدمات الأساسية، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، ودعم التنمية المستدامة في مواجهة المخاطر المتزايدة.
وتؤكد محاور المنتدى أن بناء القدرة على الصمود يتطلب الجمع بين العلم والتكنولوجيا والتمويل والتخطيط المؤسسي والمشاركة المجتمعية، مع ضمان وصول التحذيرات إلى جميع السكان، ولا سيما الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
فالنجاح الحقيقي للإنذار المبكر لا يُقاس بمدى سرعة وصول الرسالة وحدها، بل بقدرته على منح الإنسان الوقت والمعلومة والوسائل التي يحتاج إليها للتصرف قبل وقوع الخطر.
ومن تونس، تتجه الأنظار إلى قدرة هذا الحوار العربي على تحويل الطموحات المشتركة إلى التزامات قابلة للقياس، واستثمارات مستدامة، وشراكات فعالة، وأنظمة تصل إلى الناس حين يحتاجون إليها.
ذلك هو التحدي الذي يحدد مستقبل الإنذار المبكر في المنطقة العربية : الانتقال من معرفة الخطر إلى استباقه، ومن إصدار التحذير إلى اتخاذ القرار، ومن الاستجابة بعد الكارثة إلى حماية الإنسان قبل وقوعها.
ملاك الشوشي




