ثقافة

الفنان آدم في مهرجان قرطاج الدولي… أول صعود إلى الركح الأثري ورهان كسب الجمهور

في أول ظهور له على ركح المسرح الأثري بقرطاج، نجح الفنان اللبناني آدم في أن يحوّل سهرة الاثنين 18 أوت 2025 إلى موعد طربي بامتياز، مؤكدا حضوره كأحد أبرز الأصوات العربية المعاصرة القادرة على الجمع بين الإحساس والأداء الصوتي المتقن. وجاء الحفل، الذي انتظم ضمن فعاليات الدورة التاسعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي، أمام شبابيك مغلقة، في أمسية انتظرها جمهور توافد إلى المسرح منذ ساعات مبكرة، في مشهد عكس حجم الترقب لأول لقاء يجمع الفنان اللبناني بجمهور قرطاج.

ولم يكن هذا الصعود إلى ركح قرطاج مجرد محطة جديدة في مسيرة آدم، بل شكل امتحانا فنيا أمام جمهور اشتهر بذائقته الموسيقية الرفيعة، حتى غدا اعتلاء المسرح الروماني بالنسبة إلى الفنانين العرب شهادة اعتراف بقيمتهم الفنية، وبوابة إلى علاقة خاصة مع الجمهور التونسي الذي ظل على امتداد تاريخ المهرجان شريكا في صناعة نجاحات العديد من الأسماء العربية.

وفي تمام العاشرة ليلا، اعتلى آدم الركح بقيادة المايسترو محمود عيد، متوشحا بالعلم التونسي، في لفتة لاقت ترحيبا واسعا من الحاضرين، قبل أن يستهل السهرة بأغنية “نحنا سوا”، التي هيأت منذ لحظاتها الأولى لأجواء من الانسجام بين الفنان والجمهور.

ولم يخف آدم تأثره بهذه المشاركة، فتوجه إلى الحاضرين قائلا: «أهم يوم في حياتي هو اليوم، لأنني أقف على ركح مهرجان قرطاج. سعيد جدا بالغناء في تونس أمام جمهور ذواق… أو كما نقول باللهجة اللبنانية: جمهور “مزوّق”.» وما إن أنهى كلماته حتى دوّت المدرجات بالتصفيق والهتافات، في لحظة اختزلت حرارة الاستقبال الذي حظي به.

وعلى امتداد أكثر من ساعتين، تنقل الفنان اللبناني بين محطات مختلفة من رصيده الغنائي، مقدما مزيجا من الأغاني الرومانسية والطربية التي صنعت شهرته، فصدح بصوته في “كيفك إنت” و “في حدا” و “تعا” و “أبعديني” و “أول حبيب” و “على بالي” و “حدا عارف” و “الحرام” و “آه يا حلو” و “اتخيليني” و “يا أيام” و “خلصت الحكاية” و “بس بحبك” و “ارجعلي” و “خلص الدمع” و “كل واحد عنده سر” و “وراق الخريف” و “وهذا أنا”، بينما تحوّل الجمهور في كثير من اللحظات إلى كورال جماعي يردد كلمات الأغاني عن ظهر قلب.

ولأن حفلات آدم تقوم أيضا على استحضار محطات بارزة من تاريخ الأغنية العربية، فقد خصص جزءا من السهرة لإعادة أداء أعمال خالدة، مستعرضا بذلك إمكاناته الصوتية وقدرته على الانتقال بين مدارس غنائية مختلفة. فاستعاد رائعة جورج وسوف “حلف القمر”، وأدى “أنا بعشقك” لميادة الحناوي، قبل أن يختتم السهرة بأداء مؤثر لأغنية “الأسامي” للفنانة التونسية الراحلة ذكرى محمد، في تحية حملت كثيرا من الوفاء لصوت ظل حاضرا في الوجدان العربي.

كما لم يخف الفنان اللبناني إعجابه بالمشهد الموسيقي التونسي، فقدم مقطعا من أغنية “ألو” للفنان بلطي، بعد أن كان قد صرح خلال الندوة الصحفية السابقة للحفل قائلا: «بلطي فنان رائع، وأحترم صوته كثيرا.» وهي لفتة لاقت استحسان الجمهور، وعكست انفتاح آدم على مختلف التجارب الموسيقية العربية.

ولم يكن نجاح السهرة رهين الأداء الصوتي فقط، بل تجسد أيضا في الحضور الركحي للفنان، الذي بدا متحررا وواثقا، متنقلا بين أرجاء المسرح في تواصل دائم مع جمهوره، بينما وفرت الفرقة الموسيقية بقيادة محمود عيد توزيعات حافظت على الطابع الطربي للأغاني، مع مساحات موسيقية أبرزت دفء صوته وقدرته على الأداء الحي.

وأكدت هذه الأمسية أن آدم استطاع، في أول لقاء له مع جمهور مهرجان قرطاج الدولي، أن يكسب رهان الحضور الفني والجماهيري، وأن يؤسس لعلاقة واعدة مع جمهور عرف تاريخيا بأنه لا يمنح إعجابه إلا لمن ينجح في مخاطبة ذائقته الموسيقية. وبين حرارة الاستقبال وكثافة التفاعل، أثبت الفنان اللبناني أن صوته وجد مكانه على أحد أعرق المسارح العربية، في ليلة أضافت اسمه إلى قائمة الفنانين الذين عبروا من بوابة قرطاج نحو ذاكرة جمهور لا ينسى.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى