ثقافةحواراتخاص

حصري | زياد غرسة بمناسبة الدورة التاسعة لمهرجان «روحانيات»: «الموسيقى التونسية الأصيلة والبعد الروحي روحاً واحدة في جسد واحد»

بمناسبة مشاركته في الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للموسيقى الصوفية والروحية «روحانيات» بنفطة، التي انتظمت بمدينة نفطة من 29 إلى 31 أكتوبر 2026، وفي تصريح خاص بهذه المناسبة، تحدث الفنان التونسي زياد غرسة عن العلاقة العميقة بين المالوف التونسي والبعد الروحي، مستعرضاً اختياراته الفنية في إعداد عرض يمزج بين أصالة النوبة التونسية ونفحات التصوف والإنشاد. كما تطرق إلى تجربته الجديدة وآفاق تطويرها، معتبراً أن الموسيقى الأصيلة والروحانية وجهان لروح واحدة، وأن الفن الحقيقي يظل رحلة متواصلة من البحث والتجديد والإبداع.

السؤال الأول: كيف تنظرون إلى العلاقة بين الموسيقى التونسية الأصيلة والبعد الروحي؟

أراهما روحاً واحدة في جسد واحد؛ فهما متكاملان ويكمّل أحدهما الآخر، ولا يمكن الفصل بينهما. والدليل على ذلك ما تزخر به الموسيقى التونسية من برامج وتعبيرات ذات أبعاد روحية، وما بينها وبين هذا المجال من ارتباط وثيق. إنها علاقة عميقة وواسعة، لا يمكن فصل عناصرها بعضها عن بعض.

فالفن في جوهره روح، سواء اتخذ طابعاً ترفيهياً أو اتجه نحو الجدية والعمق، فلكل منهما متعته الخاصة وعالمه المختلف. أما الجانب الروحي فيفتح أمام الفنان آفاقاً أخرى، وهو مجال واسع يتطلب الكثير من العمل والبحث والاجتهاد. والحمد لله على ذلك.

السؤال الثاني: كيف يساهم حضور الموسيقى التقليدية في إثراء برنامج مهرجان مخصّص للموسيقى الصوفية والروحية؟

عملنا على تقديم المالوف في بعده الجاد والروحي، واخترت أن ألحّن قطعة موسيقية خاصة بالمهرجان. وقد خصصنا ما يقارب ثلاثة أرباع البرنامج للمالوف والسلامية القادرية والعيساوية، فيما تركت الجزء الأخير للأغاني التي تمنح الجمهور متعة فنية، وتكون بمثابة مسك الختام.

لكننا حرصنا أيضاً على أن يكون الختام من خلال قطعة من المالوف بعنوان «يا ربي تصبّر وثبّت يقينك»، وهي قطعة تحمل في مضمونها معاني صوفية وروحية، وتذكّر بأن كل شيء مقدّر ومكتوب، وأن الله سبحانه وتعالى هو المعين. وهكذا يصبح الختام بداية للتضرع إلى الله، واستحضار معاني حسن البدء وحسن الختام.

وفي الأصل، فإن المالوف التونسي، وخاصة النوبة، يتضمن أبعاداً روحية واضحة. فمعظم النوبات تبدأ بأبيات تحمل معاني روحية، مثلما هو الشأن في السلامية التي تستهل بالفاتحة. وفي المالوف أيضاً، تنطلق النوبة بأبيات ذات مضامين روحانية، ثم تتدرج في تناول مختلف جوانب الحياة الإنسانية والدنيوية، قبل أن ترتقي في ختامها إلى استحضار فناء الدنيا وعظمة الخالق سبحانه وتعالى، من خلال نصوص تتضمن معاني التسليم والتضرع، مثل «الله يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد»، و«هيبة في قلبي مجدداً»، و«يا مالك الملوك».

لذلك لم أشعر بأنني غريب عن الإطار الروحي لهذا المهرجان، بل وجدت أن هذا التوجه منسجم تماماً مع طبيعة المالوف التونسي وما يختزنه من مضامين روحية.

وهذا ما نطمح أيضاً إلى مواصلته خلال جولتنا الفنية المرتقبة في شهر رمضان، إذا كتب الله لنا التوفيق، حيث نعتزم اعتماد هذا البرنامج وتطويره، مع إمكانية إضافة أفكار وعناصر أخرى، على أن نحافظ على ركائز فنية ثابتة تمنح عروضنا طابعها الخاص، وتُبرز البعد الروحاني فيها.

وهذا العمل ما يزال في بدايته، فالعرض لا يبلغ نضجه منذ المرة الأولى، وهذه هي المرة الأولى التي أقدّمه فيها على الركح. فمن الطبيعي أن يحتاج العرض إلى خمس أو ست أو سبع مرات حتى يكتسب الموسيقيون وغيرهم مزيداً من الانسجام والتركيز. لقد أجرينا تدريبات عديدة، لكن التجربة الأولى لا تكون دائماً في المستوى نفسه، إذ يبذل الجميع أقصى جهودهم، غير أن الأداء يتطور من العرض الثاني إلى الثالث والرابع والخامس.

والأمر يشبه العمل المسرحي؛ فمهما تعددت التدريبات والاستعدادات، يظل للعرض الأول طابعه الخاص، ثم تأتي العروض الثانية والثالثة، ومع العرض الخامس أو السادس تبدأ الثقة في الترسخ ويبلغ العمل درجة أكبر من التماسك. وهذا أمر ممتاز جداً، وتمثل هذه التجربة بالنسبة إليّ إضافة جديدة إلى مسيرتي الفنية، وهذا هو الفنان في نظري.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى