Uncategorized

من المعرفة إلى الحضرة… اليوم الثاني من «روحانيات» بنفطة ينسج رحلة في ذاكرة التصوف والموسيقى والهوية

لم يكن اليوم الثاني من الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للموسيقى الصوفية والروحية «روحانيات»، الذي احتضنته مدينة نفطة يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، مجرد امتداد لبرنامج احتفالي انطلق في اليوم السابق، بل بدا وكأنه فصل آخر من رحلة ثقافية وروحية متكاملة، انتقلت خلالها التظاهرة من مساءلة التراث فكرياً وتاريخياً إلى اكتشافه في فضاء المدينة، ثم معايشته عبر الموسيقى والإنشاد والحضرات الصوفية.

فمن المحاضرات العلمية والفكرية التي جمعت باحثين ومبدعين وأكاديميين، إلى الجولة في أزقة المدينة العتيقة ومقامات الأولياء الصالحين، مروراً بعرض «مجاذيب» للمايسترو دريد سويسي، ووصولاً إلى أصوات الإنشاد التونسي والمصري، ثم السهرات الروحية التي احتضنها مقام الولي الصالح سيدي مرزوق، رسم اليوم الثاني مساراً تجاوز حدود البرمجة الفنية التقليدية، ليطرح سؤالاً أعمق حول علاقة الإنسان بذاكرته، وحول قدرة التراث على الاستمرار والتجدد في زمن تتغير فيه أشكال التعبير وأنماط العيش.

وكانت خصوصية هذا اليوم في أنه لم يتعامل مع التصوف باعتباره مادة احتفالية أو موسيقية فحسب، وإنما قدمه باعتباره منظومة ثقافية وإنسانية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها المعرفة بالتاريخ، والروح بالفن، والمكان بالذاكرة الجماعية.

المحاضرات العلمية… حين دخل التصوف فضاء المساءلة الفكرية

استهلّ اليوم الثاني برنامجه بمحاضرة علمية وفكرية، أثّثها وأدارها عدد من الدكاترة والأساتذة والباحثين والمبدعين، من بينهم الروائي والشاعر محمد بوحوش.

حيث القى محاضرة بعنوان «إيقاع السرد والحياة في الجريد التونسي من خلال رواية الدقلة في عراجينها»، التي فتحت نافذة أدبية وثقافية على خصوصية الحياة في منطقة الجريد، من خلال مقاربة العلاقة بين السرد الروائي والذاكرة الاجتماعية والبيئة المحلية.

وقد منح هذا الموعد التظاهرة بعداً معرفياً مكملاً لبعدها الفني، مؤكداً أن «روحانيات» لا تختزل التراث في مظاهره الموسيقية والإنشادية، بل تفتح المجال لمقاربته من زوايا البحث والتاريخ والفكر والأدب.

وفي هذا السياق، برزت محاضرة بوحوش، التي تناولت الذاكرة الاجتماعية والثقافية للجريد من خلال السرد الروائي، مستحضرةً تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد، وعلاقة الإنسان ببيئته ومحيطه.

وقد أضفت هذه المداخلة بعداً أدبياً على النقاش، مبرزة دور الرواية في حفظ الذاكرة المحلية وتوثيق التحولات الاجتماعية، ومؤكدة أن صون التراث لا يقتصر على استحضار مظاهره الفنية والروحية، بل يتطلب أيضاً قراءته وفهمه ونقله إلى الأجيال القادمة.

وهكذا، لم تكن المحاضرة مجرد فقرة موازية للعروض الفنية، بل شكلت مساحة للتفكير في الهوية والذاكرة، وربطت بين المعرفة والإبداع والوجدان.

المدينة العتيقة ومقامات الأولياء… حين تحوّل المكان إلى ذاكرة حية

غادر برنامج «روحانيات» فضاء المحاضرات وانتقل بعد ذلك إلى المدينة العتيقة من خلال جولة شملت زيارة مقامات الأولياء الصالحين.

ولم تكن هذه الجولة مجرد نشاط سياحي موازٍ للبرنامج الفني، بل حملت دلالة ثقافية عميقة، لأنها أعادت ربط التظاهرة بفضائها الطبيعي والتاريخي، وأبرزت أن نفطة لم تكن مجرد مكان يحتضن المهرجان، بل كانت جزءاً أساسياً من مضمونه وهويته.

فالمدينة العتيقة، بأزقتها وفضاءاتها ومعالمها، تختزن طبقات من الذاكرة التي تشكلت عبر أجيال متعاقبة، فيما ظلت مقامات الأولياء والزوايا حاضرة في الوجدان الشعبي باعتبارها فضاءات ارتبطت بالتقاليد الدينية والروحية والاجتماعية.

ومن خلال هذه الجولة، اتخذت العلاقة بين المهرجان والمكان بعداً أكثر مباشرة؛ فبدلاً من الاكتفاء بالحديث عن التراث الصوفي داخل قاعة المحاضرات أو استحضاره على خشبة المسرح، انتقل المشاركون إلى الفضاءات التي احتضنت جانباً من تاريخه وذاكرته.

وهنا تكمن إحدى أهم خصوصيات «روحانيات»: فالتراث لا يُقدَّم باعتباره مادة منفصلة عن محيطها، وإنما بوصفه تجربة متجذرة في الجغرافيا وفي تفاصيل الحياة اليومية. فالمقام ليس مجرد معلم معماري، والمدينة العتيقة ليست مجرد خلفية بصرية، بل كلاهما يحملان ذاكرة اجتماعية وثقافية لا يمكن فصلها عن شخصية نفطة.

كما أعادت الجولة طرح أهمية السياحة الثقافية والروحية، التي لا تقوم على زيارة المواقع فحسب، وإنما على فهم دلالاتها والتعرف إلى الحكايات والتقاليد التي ارتبطت بها، بما يجعل من زيارة المدينة تجربة معرفية وإنسانية تتيح للزائر اكتشاف عمقها التاريخي والثقافي، لا الاكتفاء بمشاهدة معالمها السياحية.

«مجاذيب» دريد سويسي… بين الإبداع الموسيقي والذاكرة الروحية

وفي ساحة الزاوية القبلية، كان الموعد مع عرض «مجاذيب» للمايسترو دريد سويسي، في محطة حملت عنواناً يحيل إلى أحد المفاهيم المرتبطة بالوجدان الصوفي وتجلياته الروحية.

فمفهوم المجذوب في المخيال الصوفي والشعبي ارتبط بصورة الإنسان الذي استغرق في المحبة والتعلق الروحي، وتجاوز في تجربته حدود التعبير المألوف عن العالم. وقد ظل هذا المفهوم حاضراً في الذاكرة الشعبية المغاربية من خلال شخصيات وحكايات وتعبيرات فنية وشعرية متعددة.

ومن هذه الخلفية اكتسب عنوان العرض دلالته الرمزية ضمن مهرجان جعل من التصوف والروحانية محوراً أساسياً لبرنامجه.

وقد مثّل اختيار ساحة الزاوية القبلية لاحتضان هذا الموعد انسجاماً بين طبيعة العرض والفضاء الذي استقبله، إذ التقت الموسيقى بالمكان في سياق استحضر العلاقة التاريخية بين الزوايا والتعبيرات الفنية والروحية.

ولم تكن أهمية هذه المحطة في عنوانها فقط، بل أيضاً من سياقها ضمن برنامج اليوم الثاني؛ فقد جاءت بعد الجولة في المدينة العتيقة ومقامات الأولياء، لتواصل الانتقال من اكتشاف الذاكرة الروحية إلى التعبير الفني عنها.

وهكذا بدا عرض «مجاذيب» حلقة وصل بين المسار المعرفي الذي انطلق صباحاً والمسار الإنشادي للسهرة، مؤكداً تعدد الأشكال التي أمكن من خلالها مقاربة التجربة الصوفية، من البحث والتأمل إلى الموسيقى والأداء.

مشايخ الإنشاد مع حسن سعدة… الصوت حين يصبح جسراً إلى الوجدان

مع حلول المساء، انتقل البرنامج إلى عالم الإنشاد من خلال عرض «مشايخ الإنشاد» للمنشد حسن سعدة، في محطة أعادت الصوت إلى مركز التجربة الروحية.

فالإنشاد في الثقافة الصوفية لم يكن مجرد لون غنائي أو أداء قائم على جمال الصوت، بل ارتبط بوظيفة وجدانية وجماعية، حيث تتداخل الكلمة باللحن والإيقاع، ويصبح الأداء وسيلة لاستحضار معاني المحبة والتأمل والصفاء.

وفي هذا السياق، اكتسب عرض «مشايخ الإنشاد» دلالته ضمن تظاهرة حملت شعار «صفاء»، لأن الإنشاد يفتح مساحة يتجاوز فيها الصوت وظيفته الجمالية المباشرة، ليصبح حاملاً لمعانٍ روحية وثقافية متوارثة.

كما أن إدراج هذه المحطة بعد عرض «مجاذيب» أظهر تدرج البرنامج من التعبير الموسيقي المرتبط بالتصوف إلى الإنشاد بوصفه أحد أبرز أشكال حضوره الفني والوجداني.

وتكمن أهمية هذه التعبيرات أيضاً في قدرتها على الحفاظ على الذاكرة الشفوية، إذ تنتقل المدائح والأناشيد عبر الأصوات والمجالس والمناسبات، حاملة معها نصوصاً وألحاناً وأساليب أداء تشكل جزءاً من التراث اللامادي.

ومن هنا، لم يكن الإنشاد مجرد فقرة ضمن سهرة فنية، بل كان أحد المسارات التي أعادت من خلالها «روحانيات» التأكيد على ضرورة حماية الذاكرة الصوتية وتثمينها، باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات الهوية الثقافية.

أحمد العمري وأسامة النابلي… حوار إنشادي بين مصر وتونس

واصل المهرجان برنامجه الليلي بلقاء جمع المنشد المصري أحمد العمري والمنشد التونسي أسامة النابلي، في محطة حملت بعداً عربياً واضحاً، وأكدت أن الموسيقى الروحية تمتلك لغة مشتركة قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية.

فاجتماع صوتين من تجربتين مختلفتين، مصرية وتونسية، ضمن فضاء واحد، لم يكن مجرد تنويع في الأسماء المشاركة، بل عكس طبيعة الرهان الثقافي الذي حملته «روحانيات» منذ انطلاقها: جعل نفطة فضاءً للتلاقي بين التجارب الروحية والفنية، وفتح المجال أمام تبادل التعبيرات الموسيقية والإنشادية.

وتكتسب هذه اللقاءات أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي احتلها الإنشاد الديني والمديح في الذاكرة الموسيقية العربية، حيث تطورت عبر البيئات المختلفة أساليب أداء ومدارس إنشادية حافظت على خصوصياتها المحلية، لكنها التقت حول مضامين روحية وإنسانية مشتركة.

ومن خلال الجمع بين العمري و النابلي، اتسع الأفق الفني للتظاهرة ليشمل تجربة عربية عابرة للحدود، بما يعزز حضور الموسيقى الروحية التونسية في فضاء ثقافي أوسع، ويتيح في المقابل التعرف إلى تجارب إنشادية أخرى.

وهنا تتجلى إحدى وظائف المهرجانات الدولية: ألا تكتفي باستضافة فنانين من بلدان مختلفة، بل أن تجعل من حضورهم فرصة للتواصل الثقافي والتقاطع الفني، ولإبراز ما يجمع الشعوب من ذاكرة روحية وتعبيرات جمالية.

لقد مثّلت هذه السهرة امتداداً للمسار الذي بدأ بالمحاضرات العلمية، ومرّ عبر معالم المدينة العتيقة، ثم وصل إلى عروض «مجاذيب» ومشايخ الإنشاد، لتؤكد أن التجربة الروحية اتخذت خلال هذا اليوم أشكالاً متعددة، من الفكر إلى الموسيقى، ومن المكان إلى الصوت.

مقام سيدي مرزوق… البنڨة والسطامبالي وعودة الموسيقى إلى جذورها الإفريقية

ومع حلول منتصف الليل، انتقلت فعاليات المهرجان إلى مقام الولي الصالح سيدي مرزوق، حيث احتضن الفضاء عروضاً لفرق البنڨة والسطامبالي من نفطة وتوزر، في محطة حملت خصوصية ثقافية وفنية مختلفة، وأعادت إلى الواجهة أحد المكونات المهمة للذاكرة الموسيقية والروحية في الجنوب التونسي.

فالبنڨة والسطامبالي لا يمثلان مجرد أنماط إيقاعية أو عروضاً فولكلورية، بل يحيلان إلى ذاكرة ثقافية عميقة تشكلت عبر تداخل روافد إفريقية ومغاربية ومحلية، وحملت معها آثار التاريخ والتبادل الثقافي والتحولات الاجتماعية.

ويحتل السطامبالي مكانة خاصة في التراث الموسيقي التونسي، باعتباره تعبيراً فنياً وروحياً ارتبط بممارسات وطقوس وذاكرة جماعية، واستطاع عبر الزمن أن يحافظ على خصوصيته الإيقاعية والإنشادية. أما حضوره في نفطة وتوزر، فقد أبرز الامتداد الجغرافي لهذه التعبيرات في الجنوب، وما تختزنه المنطقة من تنوع ثقافي يستحق التوثيق والتثمين.

وقد منح اختيار مقام سيدي مرزوق لهذه المحطة دلالة إضافية، إذ التقى الفضاء المرتبط بالذاكرة الروحية بتعبيرات موسيقية تحمل بدورها طبقات من الذاكرة التاريخية والاجتماعية.

وهذا التلاقي يطرح سؤالاً مهماً حول مفهوم التراث نفسه: هل يمكن اختزاله في نمط واحد من التعبير الصوفي؟ أم أن الذاكرة الروحية أكثر اتساعاً، وتضم تجارب متعددة تشكلت عبر التفاعل بين الثقافات والمجتمعات؟

لقد قدمت هذه المحطة إجابة فنية عن هذا السؤال، من خلال إبراز تعدد الروافد التي صنعت المشهد الروحي في الجنوب التونسي، والتأكيد على أن الهوية الثقافية ليست كتلة جامدة أو رواية أحادية، بل نسيج متنوع تتداخل فيه التجارب والتقاليد والأصوات.

كما أن حضور فرق من نفطة وتوزر أعاد التأكيد على أهمية التقاليد المحلية في المحافظة على التراث اللامادي، وعلى الدور الذي تؤديه المجتمعات في نقل هذه الممارسات من جيل إلى آخر.

ولعل الأهم أن هذه السهرة الليلية أعادت الموسيقى إلى أحد فضاءاتها الرمزية، بعيداً عن الشكل المسرحي التقليدي، لتلتقي الأصوات والإيقاعات بالمكان والذاكرة، في امتداد طبيعي لفلسفة المهرجان القائمة على ربط الفن بجذوره الثقافية والروحية.

«روحانيات»… حين تتكامل المعرفة والمكان والفن

كشف برنامج اليوم الثاني عن رؤية ثقافية تجاوزت منطق ترتيب العروض وتوزيع الفنانين على الساعات، لتقدم تجربة متكاملة تتداخل فيها ثلاثة أبعاد أساسية: المعرفة، والمكان، والتعبير الفني.

فقد بدأت الرحلة بالمحاضرات العلمية والفكرية، التي أعادت التراث إلى دائرة البحث والنقاش، ثم انتقلت إلى المدينة العتيقة ومقامات الأولياء، حيث تحولت الجغرافيا إلى مدخل لفهم الذاكرة، قبل أن تتسع التجربة عبر الموسيقى الصوفية والإنشاد والعروض ذات الجذور المحلية والإفريقية.

وهذا التدرج لم يكن مجرد تنوع برامجي، بل حمل في حد ذاته تصوراً لدور المهرجان الثقافي في المجتمع. فالمهرجان الناجح لا يكتفي بتقديم عروض تستهلكها لحظة الفرجة، وإنما يسهم في إنتاج معرفة جديدة بالمكان، وإعادة اكتشاف مكوناته الثقافية، وفتح النقاش حول سبل حمايتها واستمرارها.

ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية الجمع بين الأسماء الأكاديمية والمبدعين والفنانين، لأن التراث لا يمكن صونه بالاحتفال به وحده، كما لا يمكن حمايته بالبحث النظري وحده. إنه يحتاج إلى التكامل بين التوثيق والممارسة، وبين المؤسسات الثقافية والمجتمع المحلي، وبين الأجيال التي ورثت هذه التقاليد والأجيال التي ستعيد اكتشافها وتطوير طرق التعبير عنها.

التراث الروحي بين التثمين والتحدي

غير أن هذا الثراء الثقافي يضع أيضاً أمام التظاهرات من هذا النوع مسؤولية أساسية، تتمثل في الانتقال من الاحتفاء الموسمي بالتراث إلى بناء مشروع مستدام لصونه وتوثيقه.

فالمحاضرات العلمية تكتسب قيمتها الأعمق حين تفتح المجال أمام نشر البحوث وتوثيق الشهادات والروايات الشفوية، والعروض الفنية تصبح أكثر أثراً حين تساهم في التعريف بالفرق المحلية وحماية تقاليدها، والجولات التراثية تكتمل حين ترتبط بمسارات معرفية تعرف الزائر بتاريخ المعالم ورموزها وسياقاتها.

كما أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان انتقال هذا الرصيد إلى الأجيال الجديدة، ليس باعتباره مادة جاهزة للاستعراض، بل باعتباره جزءاً من هويتها الثقافية وفضاءً ممكناً للإبداع والتجديد.

فالانفتاح على التجارب العربية والدولية لا ينبغي أن يكون على حساب الخصوصية المحلية، بل يمكن أن يتحول إلى فرصة لإبرازها وتطوير حضورها. كما أن تثمين الموسيقى الصوفية والسطامبالي والبنڨة يقتضي الاعتراف بقيمة الفنانين والحرفيين وحملة الذاكرة الشفوية الذين حافظوا على هذه التعبيرات في مختلف الظروف.

نفطة… مدينة جعلت من الذاكرة فضاءً للحوار

في نهاية اليوم الثاني، بدت «روحانيات» أكثر من مهرجان للموسيقى الصوفية والروحية؛ فقد قدمت من خلال برنامجها صورة عن مدينة استطاعت أن تجعل من رصيدها التاريخي والثقافي نقطة انطلاق لحوار أوسع بين الفكر والفن والهوية.

من أسماء أكاديمية وأدبية ساهمت في إضاءة الجانب المعرفي للتراث، إلى جولة أعادت اكتشاف المدينة العتيقة ومقامات الأولياء، ومن عرض «مجاذيب» إلى مشايخ الإنشاد وأصوات أحمد العمري وأسامة النابلي، وصولاً إلى البنڨة والسطامبالي في مقام سيدي مرزوق، رسمت نفطة مساراً ثقافياً متنوعاً جمع بين المحلي والعربي والإفريقي.

وكانت الرسالة الأعمق لهذا اليوم أن الروحانية لا تنتمي إلى زمن مضى، ولا تقتصر على طقوس تستعاد في المناسبات، بل تظل مجالاً حياً للتعبير الإنساني، ولإعادة اكتشاف الذات والآخر، ولتجديد العلاقة بين الإنسان وموروثه ومكانه.

وهكذا، لم يكن اليوم الثاني من «روحانيات» مجرد يوم آخر في جدول المهرجان، بل كان رحلة من المعرفة إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الموسيقى، ومن الموسيقى إلى الإنسان. رحلة أكدت أن نفطة لا تستحضر تراثها الصوفي من أجل الاحتفاء بالماضي فحسب، بل من أجل إبقاء هذا التراث حياً، قادراً على مخاطبة الحاضر والانفتاح على المستقبل.

فحين تلتقي المعرفة بالإنشاد، والتاريخ بالمكان، والإيقاعات المحلية بالتجارب العربية والإفريقية، تصبح الموسيقى أكثر من فن، ويصبح المهرجان أكثر من موعد ثقافي: يصبح مساحة لاستعادة المعنى، وتجديد الذاكرة، والعبور من خصوصية المكان إلى رحابة الإنسانية.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى