ثقافة

نفطة تفتح أبواب الروح على العالم: «روحانيات» في دورتها التاسعة… حين تصبح الموسيقى الصوفية لغةً للعبور بين الذاكرة والوجدان

جدّدت مدينة نفطة موعدها مع التصوف والموسيقى الروحية، من 29 إلى 31 أكتوبر 2026، من خلال احتضان الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للموسيقى الصوفية والروحية «روحانيات»، التي انتظمت تحت شعار «صفاء». تحوّلت المدينة خلالها في ثلاثة أيام إلى فضاء للاحتفاء بالذاكرة الجماعية والتراث الصوفي، واستعادة المعنى الروحي للموسيقى، وفتح آفاق جديدة للحوار الثقافي والإنساني عبر الفنون.

في نفطة، لم تكن الموسيقى مجرد أصوات تعاقبت على المسارح، ولم يتحول الإنشاد إلى عروض فنية محكومة بحدود الفرجة والتصفيق. ففي مدينة تختزن طبقات عميقة من الذاكرة الروحية والتاريخية، أصبح الصوت امتداداً للمكان، وغدت الإيقاعات ضرباً من استحضار الهوية، فيما تحولت الحضرة والذكر والإنشاد إلى طقوس جماعية أعادت للروح صلتها بجذورها.

ومن هذه الخصوصية استمدت تظاهرة «روحانيات» أهميتها، وهي تحتفي بدورتها التاسعة، بتنظيم من جمعية المهرجان الدولي للموسيقى الصوفية والروحية بنفطة تحت شعار «صفاء» الذي فتح باب التأويل نحو قيم التجرد والتسامح والارتقاء بالإنسان عبر الموسيقى والفنون الروحية.

ولم يقتصر رهان هذه الدورة على تقديم عروض فنية متنوعة واستقطاب أسماء موسيقية، بل امتد إلى إعادة الاعتبار للموسيقى الصوفية باعتبارها جزءاً من الذاكرة الثقافية التونسية، ورافداً من روافد الإبداع القادر على مخاطبة العالم بلغة تتجاوز اختلاف اللغات والثقافات.

نفطة… جغرافيا الروح وذاكرة التصوف

لم يكن اختيار نفطة لاحتضان مهرجان بهذه الحمولة الروحية والفنية اعتباطياً. فالمدينة، الواقعة في قلب الجنوب الغربي التونسي، لم تكن مجرد فضاء جغرافي تحيط به الواحات والنخيل والامتدادات الصحراوية، بل مثّلت إحدى الحواضر التي ارتبط اسمها بالزوايا والأولياء والطرق الصوفية والتقاليد الدينية والإنسانية المتوارثة.

في هذا المكان، تداخلت الحياة اليومية بالموروث الروحي، واحتفظت الذاكرة الشعبية بأصوات الحضرات ومقامات الأولياء وأناشيد المدائح والأذكار. ومن هذه الخصوصية تشكلت هوية «روحانيات»، الذي استمد مادته الأساسية من محيطه الثقافي والاجتماعي، ومن علاقة الإنسان النفطي بتراثه ومجاله وذاكرته.

ولعل أبرز ما ميّز هذه التظاهرة قدرتها على تحويل المدينة إلى فضاء مفتوح للعرض والتفاعل، فلم تبق الموسيقى حبيسة المنصة، ولم يظل الجمهور مجرد متلقٍّ ينتظر بداية الحفل ونهايته، بل أصبح جزءاً من المشهد، وتحولت الساحات والشوارع إلى امتداد طبيعي للاحتفال الثقافي.

«صفاء»… حين تحوّل الفن إلى تجربة وجدانية

حمل شعار الدورة التاسعة «صفاء» أبعاداً تجاوزت المعنى المباشر للكلمة. ففي زمن تسارعت فيه الحياة وتزاحمت الأصوات والصور، مثّلت العودة إلى الموسيقى الروحية محاولة لاستعادة الإصغاء: الإصغاء إلى الذات وإلى الآخر وإلى الذاكرة التي كثيراً ما طمرتها ضوضاء الحياة المعاصرة.

والتصوف، في أحد أبعاده الجمالية والإنسانية، قام على البحث عن المعنى خلف الظاهر، وعلى جعل الفن وسيلة للارتقاء الوجداني. لذلك احتلت الموسيقى والإنشاد والإيقاع مكانة خاصة في التعبير عن التجربة الصوفية، حيث لم يكن الصوت مجرد أداء تقني، بل وسيلة لاستحضار حالة جماعية من التأمل والانفعال والتواصل.

ومن هذا المنطلق، جاء شعار «صفاء» ليعبّر عن دعوة إلى إعادة اكتشاف القيمة الإنسانية للفن، وتقديم التراث الروحي بعيداً عن النظرة الفولكلورية الضيقة التي تختزله في الأزياء والإيقاعات والمظاهر الاحتفالية.

من التراث المحلي إلى رحابة التجربة الموسيقية

افتتحت الدورة التاسعة يوم الخميس 29 أكتوبر 2026 ببرنامج جمع بين الصناعات التقليدية والتنشيط الثقافي والفنون الصوفية والموسيقى التونسية الأصيلة، في مسار فني متدرج انطلق من تفاصيل الحياة اليومية وانتهى في رحاب الذكر والإنشاد.

من الحرف التقليدية إلى الفكر والتصوف

استُهل البرنامج بافتتاح معرض الصناعات التقليدية، في إشارة إلى أن المهرجان لم ينظر إلى الثقافة باعتبارها موسيقى فحسب، بل باعتبارها منظومة متكاملة من المعارف والمهارات والحرف والتعبيرات الجمالية التي صنعت شخصية المجتمع المحلي.

فالصناعات التقليدية لم تكن مجرد منتجات قابلة للعرض والبيع، وإنما شكّلت ذاكرة مادية حفظت أساليب العيش وأذواق الأجيال وحرفية الأيدي التي تناقلت أسرار الصنعة من جيل إلى آخر.

وقد منح إدراج هذا المعرض ضمن البرنامج البعد الاقتصادي والثقافي مكانة مهمة، وفتح المجال أمام الحرفيين لتقديم إبداعاتهم والتواصل مع الزوار، بما عزز العلاقة بين المهرجان والنسيج المحلي.

وبالتوازي مع افتتاح معرض الصناعات التقليدية، احتضنت فعاليات المهرجان سلسلة من المحاضرات العلمية والفكرية التي أثّثها وأدارها عدد من الدكاترة والأساتذة والباحثين مثل الدكتورة الباحثة أسماء الشارني، في مبادرة عززت البعد المعرفي والثقافي لتظاهرة «روحانيات».

وقد مثّلت هذه اللقاءات فضاءً للنقاش وتبادل الأفكار والتعمق في القضايا المرتبطة بالتصوف والموسيقى الروحية والتراث الثقافي، من خلال مقاربات علمية وفكرية متعددة. وفي هذا الإطار، تناولت الشابي موضوع «الروحانيات والاحتفالات الدينية في بلاد الجريد»، مسلّطة الضوء على خصوصية الموروث الروحي والديني بالجهة وما يختزنه من طقوس وتقاليد وممارسات متوارثة.

ولم يقتصر برنامج المهرجان بذلك على العروض الفنية والأنشطة الاحتفالية، بل جمع بين الفرجة والمعرفة، مؤكداً أهمية التكامل بين البحث الأكاديمي والممارسة الفنية في تثمين الموروث الصوفي والمحافظة على الذاكرة الثقافية ونقلها إلى الأجيال القادمة.

المدينة فضاء مفتوح للفرجة

انتقلت أجواء المهرجان بعد ذلك إلى الساحات والشوارع من خلال فقرات التنشيط الحضري.

وشكّلت هذه الفقرة محطة مهمة في برنامج التظاهرة، إذ كسرت الحاجز التقليدي بين العرض والجمهور، وجعلت من المدينة مسرحاً مفتوحاً تداخلت فيه الحركة اليومية مع الاحتفال الثقافي.

وفي هذه الفضاءات، لم يعد الزائر بحاجة إلى تذكرة أو مقعد أمام منصة حتى يصبح جزءاً من الحدث؛ فقد أتاح التنشيط الحضري للجمهور التفاعل مع المشهد الفني في الساحات والشوارع، لتتحول المدينة إلى فضاء نابض بالحركة والاحتفال.

الدخلة الصوفية… استعراض للذاكرة الجماعية

بلغت الأجواء الاحتفالية إحدى أبرز محطاتها مع «الدخلة الصوفية»، التي جمعت كرنفال الفرق الصوفية المحلية والوطنية والدولية، بالتزامن مع تنشيط ساحة السوق.

وتقدمت هذه الفقرة فرقة الشيخ علية من سيدي عامر بالساحلين، لتمنح الافتتاح بُعداً تراثياً وجماعياً، مستحضرةً تقاليد الفرق الصوفية في إحياء الفضاء العام، وإبراز ما يختزنه من تعبيرات فنية وروحية متجذرة في الذاكرة الشعبية.

ولم تكمن قيمة هذا الموعد في الاستعراض وحده، بل في ما حمله من رمزية التواصل بين التجارب الصوفية المختلفة. فقد التقت الفرق القادمة من بيئات متعددة في نفطة، حاملة معها خصوصياتها الإيقاعية والإنشادية، لكنها اجتمعت حول مرجعية روحية وجمالية مشتركة.

وقدّمت هذه الفقرة صورة عن قدرة التراث على تجاوز الحدود الجغرافية، وعن إمكانية تحويل الاختلاف الثقافي إلى مصدر للثراء والتفاعل.

سيدي عامر بالساحلين: امتداد للذاكرة الصوفية التونسية

وفي سياق الدخلة الصوفية التي ميّزت أجواء المهرجان، كان للجمهور موعد مع مشاركة فرقة الشيخ علية من سيدي عامر بالساحلين، التي أضفت على البرنامج نفحة من أصالة التراث الصوفي التونسي.

وقد مثّلت مشاركتها امتداداً للاحتفاء بالتقاليد الروحية والإنشادية المتوارثة، بما تحمله من مدائح وأذكار وإيقاعات جماعية ارتبطت بالذاكرة الشعبية والوجدان الصوفي.

كما عكست هذه المحطة أهمية حضور الفرق التراثية في مثل هذه التظاهرات، باعتبارها حاملة لذاكرة فنية وروحية تسهم في صون الموروث الثقافي ونقله.

العيساوية… إيقاع الذاكرة وحرارة الحضرة

تواصلت الرحلة مع عرض عيساوية سيدي الحاري من تونس، في محطة استحضرت واحداً من أبرز أشكال التعبير الصوفي الشعبي في الذاكرة التونسية.

وتتميز تقاليد العيساوية بما تختزنه من إيقاعات جماعية وأذكار ومدائح وحركات تعبيرية، تتداخل فيها الموسيقى بالتجربة الروحية، ويصبح فيها الإيقاع وسيلة لبناء حالة وجدانية مشتركة.

واكتسبت هذه الفقرة أهمية خاصة ضمن برنامج المهرجان، لأنها أعادت التعبيرات الصوفية الشعبية إلى قلب المشهد الثقافي، باعتبارها أشكالاً فنية لها تاريخها وخصوصيتها، وليست مجرد بقايا من ماضٍ بعيد.

كما عزز حضور فرقة عيساوية من تونس البعد الوطني للتظاهرة، وأبرز التنوع الداخلي الذي يميز الموروث الروحي التونسي، وما يستحقه من توثيق وتثمين وتعريف.

زياد غرسة… حين التقت الأصالة بجماليات الطرب

ثم احتضن المسرح البلدي بنفطة سهرة فنية أحياها الفنان التونسي زياد غرسة، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالمحافظة على التراث الموسيقي التونسي، ولا سيما تقاليد المالوف والطرب الأصيل.

وقد مثّل هذا الموعد إحدى المحطات الفنية البارزة في برنامج الدورة التاسعة، خاصة أن اختيار زياد غرسة عكس توجهاً فنياً سعى إلى المزج بين الموسيقى التونسية الأصيلة والتعبيرات الصوفية والروحية، في لقاء موسيقي جمع بين جماليات المقام وعمق الذاكرة الفنية التونسية.

وقد شهد هذا الموعد حضور والي الجهة والمعتمدة وعدد من المندوبين، إلى جانب ممثلي مختلف السلطات والضيوف المدعوين، في أجواء عكست أهمية التظاهرة ومكانتها الثقافية.

وقبيل السهرة الفنية، ألقى مدير المهرجان، الأزهري نصر، كلمة عبّر فيها عن اعتزازه بنجاح هذه الدورة وتميّز برمجتها، مشيراً إلى ما تضمنته من أسماء فنية بارزة وأصوات موسيقية متميزة، ومؤكداً أن تنظيم هذه الدورة ووصولها إلى هذا المستوى كان ثمرة جهود جماعية ومساهمات متعددة.

وخصّ نصر بالشكر وزارة الشؤون الثقافية ووزارة السياحة، كما توجه بتحية تقدير خاصة إلى والي الجهة، مثمّناً إشراف الولاية ومتابعتها وحرصها على إنجاح هذه الدورة، إلى جانب المندوبة الجهوية للشؤون الثقافية والمعتمدة ونائب الشعب وأعضاء المجلس المحلي.

ولم يغفل مدير المهرجان الإشادة بدور مختلف الأسلاك والهياكل التي ساهمت في تأمين التظاهرة وإنجاحها، وفي مقدمتها قوات الأمن والحماية المدنية، فضلاً عن كل الأشخاص والمؤسسات الذين قدموا الدعم والمساندة.

كما توجه بالشكر إلى الداعمين والمساهمين في إنجاز هذه الدورة، تقديراً لما قدموه من دعم ومساندة.

وفي ختام كلمته، لم ينس مدير المهرجان الجمهور الذي واكب فعاليات «روحانيات»، موجهاً إليه تحية امتنان على حضوره وتفاعله، ومعرباً عن أمله في أن تتواصل هذه التظاهرة وتحافظ على موعدها مع جمهورها، مختتماً كلمته بعبارة «والله لا يقطع منّا عادة»، في تعبير عن التمسك باستمرارية هذا الموعد الثقافي والروحي الذي أصبح جزءاً من ذاكرة نفطة وهويتها.

وقد عكست هذه الكلمة روح الاعتراف بالجميل والعمل الجماعي، وأبرزت أن نجاح المهرجانات الثقافية لا تصنعه العروض الفنية وحدها، بل تقف وراءه جهود المؤسسات والداعمين والمنظمين والجمهور، في تكامل جعل من «روحانيات» موعداً ثقافياً متجدداً في مدينة نفطة.

ومنح هذا اختيار غرسة البرنامج تنوعاً فنياً مهماً، إذ وضع الموسيقى التونسية التراثية في حوار مع التعبيرات الصوفية والروحية التي ميزت الفقرات السابقة.

فبين الإيقاع الصوفي والإنشاد الجماعي من جهة، والمقامات والألحان الطربية من جهة أخرى، برزت وحدة أعمق تمثلت في قدرة الموسيقى التونسية على الاحتفاظ بذاكرتها وتجديد حضورها في الوقت نفسه.

ولم يكن حضور غرسة مجرد استراحة طربية ضمن برنامج صوفي، بل مثّل امتداداً جمالياً أبرز تداخل المسارات الموسيقية التونسية، وأكد أن الأصالة ليست قالباً مغلقاً، وإنما طاقة إبداعية قادرة على الاستمرار والتجدد.

حضرة سيدي بوعلي… عودة إلى جوهر التجربة الروحية

بعد ذلك، اتجهت التظاهرة إلى واحدة من أكثر محطاتها ارتباطاً بالهوية الروحية لنفطة، من خلال حلقات الذكر والإنشاد الصوفي بمقامات الأولياء الصالحين، وتحديداً مقام الولي الصالح سيدي أبي علي السني، في حضرة سيدي بوعلي.

في هذه المحطة، ابتعدت التجربة عن منطق العرض الفني التقليدي واقتربت من طقوس الذاكرة والوجدان.

فالذكر في الثقافة الصوفية لم يكن مجرد ترديد لعبارات أو أداء أناشيد، بل ممارسة جماعية استحضرت معاني المحبة والتقرب والتأمل، ومنحت الصوت وظيفة تجاوزت الترفيه إلى التعبير عن تجربة روحية متوارثة.

كما أبرز اختيار مقام سيدي أبي علي السني لإقامة هذه الحضرة الصلة الوثيقة بين المهرجان والموروث المحلي، ومنح البرنامج خصوصية ارتبطت بجغرافيا نفطة وتاريخها الديني والاجتماعي.

وبذلك مثّلت هذه المحطة امتداداً للهوية التي تأسست عليها «روحانيات»، وعادت بالتظاهرة إلى جوهرها: الاحتفاء بالروح والذاكرة والتجربة الصوفية.

مهرجان تجاوز الفرجة وطرح سؤال حماية التراث

كشفت قراءة برنامج اليوم الأول عن تصور ثقافي قام على تنويع فضاءات التعبير، من المعرض الحرفي إلى الشارع، ومن الفرق الصوفية إلى الموسيقى الطربية، وصولاً إلى حلقات الذكر والإنشاد.

وقد منح هذا التنوع المهرجان فرصة لتقديم التراث في صوره المختلفة، لكنه أعاد أيضاً طرح مسؤولية المحافظة على هذه التعبيرات وتحويلها من عروض موسمية إلى مشروع ثقافي مستدام.

فالموسيقى الصوفية والتراث الشفوي والحرف التقليدية لم تكن عناصر مضمونة الاستمرار بصورة تلقائية، بل احتاجت إلى التوثيق، ونقل المعارف بين الأجيال، وفتح المجال أمام الشباب للتعلم والمشاركة والإبداع، بعيداً عن الاكتفاء باستدعاء التراث في المناسبات.

ومن هنا، ارتبطت أهمية «روحانيات» بقدرته على خلق مساحة التقى فيها الفنان بالباحث، والحرفي بالزائر، والذاكرة المحلية بالتجارب الفنية الوطنية والدولية.

كما أتاح الانفتاح على الفرق الصوفية الدولية فرصة لتعزيز الحوار الثقافي، وإبراز ما يجمع التجارب الروحية والفنية المختلفة من قيم إنسانية وجمالية مشتركة.

الثقافة بوصفها رافعة لتنمية الجنوب

لم يكن من الممكن فصل مهرجان «روحانيات» عن الرهان التنموي والسياحي لمدينة نفطة والجهة عموماً.

فالمهرجانات الثقافية ذات الهوية الواضحة امتلكت قدرة على خلق حركية اقتصادية تتجاوز فضاء العروض، من خلال تنشيط قطاعات الإيواء والمطاعم والنقل والحرف التقليدية والخدمات المرتبطة بالزوار.

لكن الأهم من الأثر الاقتصادي المباشر، نجد قدرة الثقافة على إعادة تقديم المدن الداخلية باعتبارها فضاءات للإبداع والإنتاج الرمزي، لا مجرد وجهات بعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى.

ونفطة، بما امتلكته من رصيد تاريخي وروحي وواحي، قدمت من خلال هذه التظاهرة نافذة للتعريف بمخزونها الحضاري، وتعزيز حضورها ضمن خارطة السياحة الثقافية والروحية في تونس.

فالزائر الذي قصد المدينة من أجل عرض موسيقي أتيحت له فرصة اكتشاف أسواقها وواحاتها وحرفها وذاكرتها، لتتحول المشاركة في المهرجان إلى مدخل لتجربة أوسع مع المكان.

من نفطة إلى العالم… الموسيقى لغة لا تحتاج إلى ترجمة

حملت الدورة التاسعة من «روحانيات» أكثر من مجرد برنامج فني متنوع، فقد مثّلت مناسبة لإعادة التفكير في العلاقة بين التراث والحداثة، وبين الهوية والانفتاح، وبين الفن بوصفه فرجة والفن باعتباره تجربة إنسانية.

فالموسيقى الصوفية، بما تختزنه من قيم المحبة والتسامح والتأمل والتواصل، امتلكت قدرة خاصة على مخاطبة الإنسان بعيداً عن اختلاف لغته وانتمائه. وهو ما جعلها جسراً للحوار بين الثقافات، ووسيلة لتقديم صورة تونسية غنية ومتعددة عن الإبداع والذاكرة والروحانية.

ومن معرض الصناعات التقليدية، إلى كرنفال الفرق الصوفية في شوارع المدينة، مروراً بعيساوية سيدي الحاري وعرض زياد غرسة، وصولاً إلى حضرة سيدي بوعلي، رسم برنامج المهرجان مساراً انتقل فيه الجمهور من اكتشاف الموروث إلى معايشته، ومن الإصغاء إلى المشاركة، ومن الاحتفال بالماضي إلى التفكير في مستقبل التراث.

لقد أكدت «روحانيات» في دورتها التاسعة أن نفطة لم تكن مجرد حاضنة لحدث فني عابر، بل كانت فضاءً استعاد من خلاله التراث الصوفي حضوره في المشهد الثقافي، والتقت فيه الذاكرة المحلية بالتجارب الموسيقية المختلفة.

وبين إيقاع الحضرة وصفاء الإنشاد وعمق الذاكرة، جدّدت نفطة تأكيد مكانتها مدينةً للروح والتراث، وأثبتت أن الموسيقى الصوفية ظلت لغة إنسانية قادرة على عبور الحدود، وأن الفن حين يتصل بالهوية والذاكرة يتحول إلى رسالة ثقافية تتجاوز زمن المهرجان ومكانه.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى