وسط حضور جماهيري كبير ملأ مدارج المسرح الصيفي ببنزرت، افتتحت الفنانة آية دغنوج مساء الجمعة فعاليات الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان بنزرت الدولي، في سهرة امتدت لأكثر من ساعتين، حملت الجمهور في رحلة موسيقية تنقلت بين الطرب العربي الأصيل، وآية الأغنية التونسية، والمالوف، والموروث الشعبي، مؤكدة مكانة الفنانة كأحد أبرز الأصوات النسائية في الساحة الفنية التونسية.

واختارت آية أن تستهل حفل الافتتاح برائعة أم كلثوم “ألف ليلة وليلة”، لتضع الجمهور منذ اللحظات الأولى في أجواء الطرب الأصيل، قبل أن تنتقل بسلاسة “بتونس بيك” لوردة و“البياع”، في تنقل عكس تمكنها من أداء مدارس غنائية متعددة دون أن تفقد بصمتها الخاصة.

وشهدت السهرة تقديم الفنانة لجديدها الفني، حيث أدت للمرة الأولى أمام الجمهور أغنيتها “مش هخسر”، التي حظيت بتفاعل كبير من الحاضرين. كما واصلت الحفل بتقديم باقة من أبرز أعمالها، من بينها “تعاننسي” و“المحبة شنيا” و“على خاطرك”و“بخنوق”و“اش علينا” و“توسمت فيك الخير”، قبل أن تبلغ الأجواء ذروة حماسها مع أغنية “يا سيد الناس” التي رددها الجمهور وصفق على إيقاعاتها في مشهد عكس نجاح السهرة وتفاعل الحضور.
ولم تقتصر السهرة على الغناء الفردي، إذ شهدت مشاركة مجموعة الصلاح التي قدمت وصلة إنشادية افتتحتها بمديح “يا محمد يا جد الحسنين”، في فقرة أضفت أجواء روحانية على العرض قبل عودة آية دغنوج إلى الركح لاستكمال برنامجها الفني.

وفي الجزء الثاني من السهرة، اصطحبت آية دغنوج جمهورها في رحلة إلى الذاكرة الموسيقية التونسية، من خلال باقة من الأغاني التراثية التي أعادت إحياءها، من بينها “بابا سالم” و“يا سيدة يا نغارة” و“يا بوشوشة” و“وحش السرا” و“ناقوز” و“يا خليلة”و“نسمة كافية” و“يا طير الحمام” و“مرض الهوى” و“يا غزال الكاف”, وبذلك تحولت مدارج المسرح إلى كورال جماهيري، ردد الحضور خلاله كلمات الأغاني وصفقوا على وقع الإيقاعات الشعبية، في مشهد عكس حجم التفاعل مع الموروث الموسيقي التونسي وعمق ارتباط الجمهور به.

وكان للوفاء موعده في هذه السهرة، حين أوقفت آية دغنوج إيقاع الحفل لتستحضر بصوتها ذكرى الفنانة الراحلة سعاد محاسن، مقدمةً أغنية “جيبولي خالي” في تحية امتزج فيها الحنين بالاعتراف بالجميل. وجاءت هذه اللفتة تكريماً لإحدى القامات النسائية التي أسهمت في إثراء الأغنية التونسية، لتلقى تفاعلاً مؤثراً من الجمهور الذي استقبلها بتصفيق مطول تقديراً لقيمة المبادرة ورمزيتها.

ولم يكن جمال العرض في اختياراته الغنائية فحسب، بل امتدّ إلى التوزيع الموسيقي الذي نجح في ملامسة روح الأعمال الأصلية، مع ضخّها بنفَس معاصر منحها حيوية متجددة، في توازن دقيق بين عبق الذاكرة وإيقاع الحاضر. وقد عكست اختيارات آية دغنوج الفنية رؤية واضحة لبرنامج متكامل، تناغمت فيه أغنياتها الخاصة مع روائع الطرب العربي، وعبق الأغنية التونسية والتراث الشعبي، لتتشكل على الركح فسيفساء موسيقية احتفت بتعدد مكونات الهوية الثقافية التونسية.
وبهذا العرض، فتحت آية دغنوج ستار الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان بنزرت الدولي، في ليلة جمعت بين الأصالة والتجديد، وأكدت أن هذا الموعد الثقافي يواصل حمل رسالته في تقديم عروض ذات قيمة فنية عالية، تحتفي بالموروث الموسيقي وتمنح مساحة للإبداع الجديد، ليظل أحد المنابر البارزة للمشهد الثقافي والفني في تونس.





