ياسين الصالحي يلتقي جمهور قرمبالية في سهرة «ما يضحكنيش»

لم تكن سهرة الثلاثاء 18 أوت في المسرح الصيفي بقرمبالية مجرد موعد ترفيهي ضمن برمجة مهرجان العنب، بل كانت مناسبة لعودة المسرح الكوميدي إلى واجهة المهرجان من خلال عرض «ما يضحكنيش» للفنان ياسين الصالحي، في افتتاح سلسلة العروض المسرحية ضمن الدورة الرابعة والستين من هذه التظاهرة.

ويأتي اختيار الصالحي في بداية البرنامج المسرحي لافتاً، خصوصاً أن مهرجان العنب بقرمبالية لا يقدم المسرح باعتباره فاصلاً بين السهرات الموسيقية، وإنما يجعله أحد مكونات برمجته الأساسية. فقد خصصت هيئة المهرجان عدداً من المواعيد للفن الرابع، من بينها «ما يضحكنيش»، ثم «بانبينو» لبسام الحمراوي، و«بسي» لجعفر القاسمي، وصولاً إلى «ولد الطلياني» في اختتام السهرات المسرحية.

الواقع تحت مجهر الضحك
يختزل عنوان «ما يضحكنيش» جانباً من روح العرض، إذ ينطلق الصالحي من مفارقات الحياة اليومية ليحوّلها إلى مادة للضحك والسخرية. فالمواقف التي تبدو عادية ومألوفة في حياتنا اليومية تصبح، فوق الركح، موضوعاً للتأمل والنقد بأسلوب كوميدي قريب من الجمهور.
وتقوم تجربة الصالحي على المزج بين الفكاهة والملاحظة الاجتماعية، حيث لا يكون الضحك غاية في حد ذاته، بل وسيلة لطرح أسئلة حول بعض السلوكيات والعادات والتناقضات التي يعيشها المجتمع التونسي. بهذه الطريقة، يجد المتفرج نفسه أمام مواقف تضحكه من جهة، وتدعوه في الوقت نفسه إلى النظر إليها من زاوية مختلفة.
حيث ركز الصالحي على تفكيك عدد من الأمثال الشعبية والعادات والتقاليد والممارسات اليومية. لا يضحك الجمهور فقط على الشخصيات أو المواقف، وإنما يجد نفسه، في أحيان كثيرة، موضوعاً لهذا الضحك.
و تمنح هذه النقطة تحديداً للعرض بعداً يتجاوز الكوميديا السريعة. فتتحول الفكاهة هنا إلى وسيلة للنظر في السلوك اليومي، وفي الأفكار التي تنتقل من جيل إلى آخر دون أن تخضع دائماً للنقاش أو المراجعة.

الكوميديا كمرآة للمجتمع
يبدو الصالحي في «ما يضحكنيش» أقرب إلى مراقب للمجتمع منه إلى مجرد تقديم المواقف الكوميدية. فهو ينطلق من تفاصيل تبدو عادية ومألوفة، ثم يدفع بها إلى منطقة المفارقة، حيث يصبح المألوف نفسه مثيراً للسؤال.
وهذه التقنية ليست جديدة في المسرح الكوميدي التونسي، لكنها تكتسب أهميتها عندما تنجح في تحويل الموقف اليومي إلى مادة للتفكير دون أن تفقده خفته.
فالنص يتناول بعض العادات والتقاليد التي توصف بأنها بالية، إضافة إلى تحليل نفسي واجتماعي لبعض التصرفات المنتشرة في المجتمع، مع طرح سؤال أعمق حول قدرة المتلقي على تغيير سلوكه بعدما يرى نفسه على الخشبة.
وبذلك يصبح عنوان المسرحية أكثر من مجرد جملة ساخرة؛ إنه مدخل إلى علاقة معقدة بين الإنسان وما يحيط به. فنحن نضحك من الموقف، ثم نكتشف أن جزءاً منه.

الصالحي… بين الأداء والتفاعل
أحد العناصر الأساسية في تجربة «ما يضحكنيش» هو العلاقة المباشرة بين الفنان والجمهور.
ومن هذه الزاوية، فإن تقديم «ما يضحكنيش» في فضاء المهرجان الصيفي بقرمبالية ينسجم مع طبيعة العرض؛ فالمسرح المفتوح لا يمنح الفنان فقط فضاءً أكبر، وإنما يضعه أمام جمهور متنوع يبحث في الوقت نفسه عن الفرجة والضحك وعن تجربة جماعية مختلفة عن مشاهدة المسرح في قاعة مغلقة.

قرمبالية… حين يصبح المهرجان جزءاً من ذاكرة المدينة
ولا يمكن قراءة سهرة الصالحي بعيداً عن خصوصية مهرجان العنب نفسه.
فالدورة الرابعة والستون التي تنتظم من 16 إلى 28 أوت 2026 تحافظ على تقليد مهرجان ارتبط بمدينة قرمبالية وبهوية منطقة الوطن القبلي، فيما اختارت الهيئة المنظمة في هذه الدورة برمجة تجمع بين العروض الموسيقية والمسرحية والكرنفال. وأكد مدير المهرجان، معز الخياطي، أن الهيئة حرصت على الاستجابة لانتظارات الجمهور، مع المحافظة على الكرنفال وتنظيم 11 سهرة فنية وموسيقية ومسرحية.
ويكتسب المسرح هنا وظيفة إضافية: إنه يساهم في تحويل المهرجان من سلسلة حفلات إلى مساحة ثقافية أكثر تنوعاً.
فبعد العرض الموسيقي لمرتضى الفتيتي يوم 17 أوت، جاء «ما يضحكنيش» يوم 18 أوت ليفتح السلسلة المسرحية، قبل أن تتواصل المواعيد مع عروض نجلاء التونسية، وYoung RZ، وبسام الحمراوي، وكاسو، وجعفر القاسمي، وشيرين اللجمي، وأمينة فاخت وغيرها من الأسماء

الضحك… ولكن إلى أين؟
ربما تكمن القيمة الحقيقية لـ«ما يضحكنيش» في أن العرض لا يتوقف عند لحظة الضحك.
فالضحكة في المسرح الكوميدي تنتهي بمجرد انطفاء الموقف، لكن الضحك الذي يستند إلى نقد اجتماعي يمكن أن يستمر بعد مغادرة القاعة. وعندما يضحك المتلقي على عادة يمارسها، أو على مثل يردده، أو على سلوك يعتبره طبيعياً، فإن الكوميديا تكون قد قامت بوظيفة تتجاوز الترفيه.
وهذا تحديداً ما يجعل تجربة الصالحي قابلة للقراءة من زاويتين: عرض كوميدي يريد أن يضحك الجمهور، وعرض اجتماعي يريد أن يجعل الجمهور يعيد النظر في بعض ما يضحك عليه.
ومن هنا يبدو عنوان «ما يضحكنيش» ساخراً ومتناقضاً في آن واحد؛ فالجمهور يأتي بحثاً عما يضحكه، لكن يدعوه الفنان، في العمق، إلى اكتشاف الأشياء التي لا ينبغي أن تمرّ دون سؤال.

محطة مسرحية في دورة تراهن على التنوع
اختيار الصالحي لافتتاح البرنامج المسرحي في مهرجان العنب بقرمبالية يعكس أيضاً رغبة الهيئة المنظمة في استقطاب جمهور واسع من خلال أسماء تحظى بحضور لدى الجمهور التونسي.
وتشير البرمجة الرسمية إلى أن تذاكر عرض «ما يضحكنيش» حُددت ابتداءً من 20 ديناراً، في حين تتراوح أسعار بقية العروض وفق طبيعتها والفنانين المشاركين.
لكن بعيداً عن الأرقام والبرمجة، تبقى أهمية هذه السهرة في كونها وضعت المسرح الكوميدي في صدارة أحد أهم المواعيد الصيفية بقرمبالية.
لقد دخل ياسين الصالحي إلى الركح حاملاً عنواناً يقول «ما يضحكنيش»، لكن الرهان الحقيقي للعرض يبدو أكثر تعقيداً: أن نضحك أولاً، ثم نسأل أنفسنا لماذا نضحك، وممّن نضحك، وربما… على ماذا نضحك في حياتنا اليومية.
وفي هذا المستوى تحديداً، يتحول المسرح من مكان للفرجة إلى مرآة.

18 أوت 2026 لم يكن مجرد تاريخ في رزنامة مهرجان العنب بقرمبالية، بل كان موعداً جمع الكوميديا بالنقد الاجتماعي، ووضع جمهور المهرجان أمام تجربة تذكره بأن أكثر الأشياء إثارة للضحك قد تكون، في أحيان كثيرة، أكثرها حاجة إلى التفكير.
ملاك الشوشي




