ثقافة

نانسي عجرم أمام شبابيك مغلقة في قرطاج… وفاء لأسلوبها الغنائي واحتفاء بالأغنية الخفيفة

عادت الفنانة اللبنانية نانسي عجرم إلى ركح المسرح الأثري بقرطاج، مساء السبت 2 أوت 2025، بعد غياب امتد ثماني سنوات، لتحيي حفلا غنائيا ضمن فعاليات الدورة التاسعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي، في سهرة أقيمت أمام شبابيك مغلقة، أكدت مرة أخرى المكانة التي تحتلها في وجدان الجمهور التونسي، وقدرتها على استقطاب مختلف الأجيال بأغنية ظلّت وفية لروحها الخفيفة ولغتها البسيطة.

وقبل ساعات من انطلاق العرض، بدأت جماهير غفيرة تتوافد على المسرح الأثري، فيما امتلأت المدارج بالكامل قبل موعد الحفل بوقت طويل، في مشهد عكس حجم الانتظار الذي رافق عودة الفنانة اللبنانية إلى قرطاج للمرة الثالثة في مسيرتها، بعد آخر مشاركة لها سنة 2017.

وبرفقة الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو باسم رزق، وبحضور سفير الجمهورية اللبنانية بتونس، أطلت نانسي عجرم بفستان أبيض أنيق، لتفتتح السهرة بأغنية “بدنا نولع الجو”، في بداية حملت منذ لحظاتها الأولى إيقاعا احتفاليا انسجم مع طبيعة حفلاتها القائمة على التفاعل المباشر مع الجمهور وإشاعة أجواء من البهجة.

ولم تتأخر في التعبير عن شوقها إلى جمهورها التونسي، إذ خاطبت الحاضرين قائلة: «قرطاج… اشتقتلكن.» كلمات قصيرة، لكنها كانت كافية لتعلو الهتافات والتصفيقات في مدارج المسرح، في لقاء بدا وكأنه استكمال لعلاقة نسجتها الفنانة مع جمهورها التونسي على امتداد سنوات.

وخلال ما يقارب الساعتين، قدمت نانسي عجرم باقة من أشهر أعمالها التي صنعت نجاحها في العالم العربي، متنقلة بين أغانيها الكلاسيكية وإصداراتها الحديثة، محافظة على الخط الفني الذي اختارته منذ بداياتها، والقائم على الأغنية الخفيفة ذات اللحن السلس والكلمة القريبة من الحياة اليومية، وهو الخيار الذي مكّنها من بناء هوية موسيقية خاصة جعلت اسمها من أكثر الأسماء حضورا في الأغنية العربية المعاصرة.

وأدت خلال السهرة عددا من أشهر أغانيها، من بينها “ورانا إيه” و “يا قلبو” و “يا طبطب” و “عم بتعلق فيك” و “لون عيونك غرامي” و “أخاصمك آه” و “الدنيا حلوة” و “تيجي ننبسط” و “قول تاني كده”، وهي أعمال رددها الجمهور عن ظهر قلب، في تفاعل متواصل منح الحفل طابعا احتفاليا منذ بدايته وحتى نهايته.

كما خصصت مساحة من الحفل لأغنيات ألبوميها الأخيرين، وقدمت “حبك سفاح” و “على شانك”، اللتين حققتا انتشارا واسعا على المنصات الرقمية، خاصة لدى فئة الشباب، بفضل إيقاعهما العصري ولغتهما الموسيقية التي تجمع بين الأغنية العربية والإنتاج الموسيقي الحديث.

وفي واحدة من أكثر لحظات السهرة دفئا، استجابت نانسي لطلب إحدى الحاضرات، وأدت أغنية “أمي”، قبل أن تهديها إلى جميع الأمهات قائلة: «الله يخلي كل الأمهات.» وهي لفتة إنسانية لاقت استحسان الجمهور وأضفت على الحفل بعدا عاطفيا مميزا.

ولم يكن نجاح نانسي عجرم وليد الصدفة، فقد نجحت منذ ظهورها الأول في برنامج “نجوم المستقبل”، ثم مع ألبومها الأول “محتاجالك” سنة 1998، في بناء مشروع فني متكامل، تعزز مع ألبومات لاحقة مثل “شيل عيونك عني” و “يا سلام”، الذي رسخ مكانتها بفضل أغنيات أصبحت علامات فارقة في الأغنية العربية، على غرار “يا طبطب”، التي ما تزال حتى اليوم من أكثر الأغاني تفاعلا في حفلاتها.

وعلى امتداد أكثر من عقدين، حافظت نانسي عجرم على خصوصية تجربتها الفنية، فاختارت أن تجعل من البساطة عنوانا لأعمالها، ومن الأغنية الخفيفة مساحة للتعبير عن الفرح والحب والتفاصيل اليومية، دون أن تتخلى عن جودة الإنتاج الموسيقي أو عن حرصها على مواكبة التحولات التي يشهدها سوق الأغنية العربية.

وبدا واضحا خلال الحفل أن الفنانة اللبنانية لم تأت إلى قرطاج لاستعادة نجاحات الماضي فحسب، بل لتؤكد استمرار مشروعها الفني وقدرته على مواكبة أذواق جمهور متجدد. فقد تنقلت بثقة بين أرجاء الركح، وتفاعلت بعفوية مع الحاضرين، ورسمت بابتسامتها الدائمة حالة من الألفة جعلت السهرة أقرب إلى لقاء بين أصدقاء منه إلى عرض غنائي تقليدي.

وأكدت هذه الأمسية أن نانسي عجرم ما تزال واحدة من أكثر الفنانات العربيات قدرة على الحفاظ على هويتها الفنية رغم تغيرات المشهد الموسيقي، وأن وفاءها لأسلوبها الغنائي، القائم على الكلمة البسيطة واللحن السلس والأداء العفوي، ظل أحد أبرز أسرار استمراريتها ونجاحها.

وفي سهرة ملؤها الإيقاع والبهجة، جددت نانسي عجرم موعدها مع جمهور قرطاج، وغادرت الركح بعدما منحت محبيها أمسية من الفرح والغناء، مؤكدة أن الأغنية الخفيفة، حين تُقدَّم بإخلاص واحترام للجمهور، تظل قادرة على صناعة أثر طويل في الذاكرة، تماما كما يترك أثر الفراشة حضوره الهادئ الذي لا يُنسى.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى