ثقافة

من قرطاج إلى الأوبرا.. أربعة أيام تختصر نبض الفن والإعلام العربي

بين مدارج قرطاج العريقة ومسرح الأوبرا بمدينة الثقافة، ترسم تونس خلال الفترة من 21 إلى 24 سبتمبر 2026 مشهداً عربياً واسعاً للفن والإعلام، مع تنظيم الدورة السادسة والعشرين من المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، الذي ينظمه اتحاد إذاعات الدول العربية تحت شعار « نبض الصورة وصدى المستقبل ».

دورة جديدة تأتي في ظرف يشهد فيه القطاع السمعي والبصري العربي تحولات متسارعة، بفعل الثورة الرقمية وتغير عادات المشاهدة والاستماع، وصعود منصات المحتوى والإعلام الجديد. لذلك، لا تبدو هذه الدورة مجرد موعد احتفالي يجمع الفنانين والإعلاميين والمهنيين، بل محطة لقراءة حاضر المشهد العربي واستشراف مستقبله، من خلال الأعمال المشاركة والمسابقات والتكريمات والبرامج الفنية.

ويختار المهرجان أن يفتح أبوابه من قرطاج، في مشهد يجمع رمزية المكان بحضور النجوم، قبل أن يسدل الستار من مدينة الثقافة في سهرة فنية تراهن على الموسيقى بوصفها جسراً بين التراث والتجديد.

افتتاح من قرطاج.. الفن في حضرة التاريخ

يحتضن المسرح الأثري بقرطاج حفل افتتاح الدورة يوم 21 سبتمبر، في موعد ينتظر أن يكون من أبرز محطات التظاهرة.

ويحيي السهرة النجم السوري ناصيف زيتون والفنانة العراقية رحمة رياض، في عرض غنائي يجمع بين الشعبية والحضور الجماهيري، ويمنح الافتتاح بعداً فنياً يتناسب مع طبيعة المناسبة وحجمها العربي.

اختيار قرطاج لافتتاح المهرجان يحمل في حد ذاته دلالة خاصة. فالمسرح الأثري ليس مجرد فضاء للعروض، بل أحد أبرز الرموز الثقافية في تونس، ومكان ارتبط لعقود بالمواعيد الفنية الكبرى التي تستقطب أسماء عربية ودولية.

ومن هذا الفضاء التاريخي، تنطلق دورة ترفع شعار المستقبل، في مفارقة جميلة تختصر إحدى أهم قضايا الثقافة والإعلام اليوم: كيف يمكن الانتقال إلى المستقبل من دون خسارة الذاكرة؟

تكريم أسماء صنعت المشهد

ويحمل حفل الافتتاح جانباً آخر لا يقل أهمية عن الجانب الفني، من خلال تكريم عدد من نجوم الشاشة والسينما العربية والإعلاميين.

وتشمل قائمة المكرمين أسماء من مصر وسوريا ولبنان وسلطنة عُمان والكويت والعراق وموريتانيا وتونس وجزر القمر، في احتفاء بتجارب أسهمت في إثراء المشهد الفني والإعلامي العربي.

وتكتسب هذه التكريمات أهمية خاصة في مهرجان يرتبط أساساً بالإذاعة والتلفزيون. فالمشهد السمعي والبصري العربي لم يتشكل في السنوات الأخيرة فقط، وإنما هو نتيجة تراكم طويل ساهمت فيه أجيال من الفنانين والإعلاميين والمخرجين والمنتجين والتقنيين.

ومن هنا، فإن التكريم لا يمثل مجرد لحظة بروتوكولية ضمن برنامج الافتتاح، وإنما يشكل اعترافاً بالدور الذي لعبته هذه الأسماء في صناعة الذاكرة الفنية والإعلامية العربية.

« نبض الصورة »… سؤال المرحلة

يحمل شعار الدورة السادسة والعشرين « نبض الصورة وصدى المستقبل » دلالات تتجاوز البعد الدعائي.

فالصورة العربية تعيش اليوم مرحلة مختلفة جذرياً عما كانت عليه قبل سنوات. التلفزيون لم يعد المنصة الوحيدة، والإذاعة لم تعد محصورة في البث التقليدي، فيما أصبح الهاتف المحمول شاشة رئيسية لملايين المستخدمين.

كما تحولت وسائل التواصل والمنصات الرقمية إلى فضاءات أساسية لصناعة المحتوى وتوزيعه، وأصبح الإعلام مطالباً بالتكيف مع جمهور يريد المعلومة بسرعة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى المصداقية والعمق.

وفي هذا السياق، يطرح المهرجان سؤالاً أساسياً: كيف يمكن للإعلام العربي أن يواكب التحولات التكنولوجية من دون أن يفقد معاييره المهنية وهويته الثقافية؟

وتأتي مسابقة الإعلام الجديد ضمن هذه الرؤية، لتؤكد أن المهرجان لا ينظر إلى المستقبل باعتباره ملفاً منفصلاً عن واقع القطاع، بل باعتباره جزءاً من التحول الجاري.

الاختتام من الأوبرا… حين تتكلم الموسيقى

إذا بدأ المهرجان من قرطاج، فإنه يختار أن تكون محطة الختام من مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة يوم 24 سبتمبر، في سهرة فنية تجمع بين الموسيقى والاحتفاء بالإبداع الإعلامي العربي.

ويشكل العرض الأول والحصري للعمل الموسيقي « سافر إليك وغنّ » إحدى أبرز فقرات السهرة.

هذا العمل من تأليف الموسيقي التونسي كريم الثليبي، وبقيادة قائد الأوركسترا راسم دمق. وهو يقوم على رؤية تستحضر الموّال باعتباره أحد العناصر الجمالية الراسخة في الموسيقى العربية، قبل أن تعيد تقديمه ضمن معالجة موسيقية تجمع بين روح الموروث ومتطلبات التجديد.

وهنا تبرز واحدة من أكثر نقاط العمل إثارة للاهتمام: التعامل مع التراث باعتباره مادة حية قابلة لإعادة القراءة، لا مجرد ذاكرة ينبغي الحفاظ عليها في شكلها الأصلي.

فالتراث الموسيقي لا يستمر فقط عندما يُحفظ، وإنما عندما يستطيع أن يجد طريقه إلى أذن المستمع المعاصر.

أصوات عربية على خشبة واحدة

وتعزز المشاركة العربية الواسعة خصوصية السهرة الختامية، من خلال حضور مجموعة من الفنانين الذين يمثلون تجارب وأصواتاً مختلفة.

ويشارك في العرض يعقوب شاهين من فلسطين، فراس فايز من سلطنة عُمان، مأمون سوار الذهب من السودان، حنين الشاطر من مصر، كسيلة أجراد من الجزائر، وعبد الله طارق من الكويت.

وجود هذه الأسماء من بلدان عربية مختلفة يمنح العرض بعداً يتجاوز التنوع الفني إلى التعبير عن فسيفساء موسيقية عربية تتعدد فيها اللهجات والمدارس والتجارب، لكنها تلتقي في فضاء واحد.

وهذا التنوع هو أحد أبرز عناصر قوة المهرجان، الذي يجمع في مناسبة واحدة تجارب تنتمي إلى بيئات ثقافية مختلفة، ويمنحها فرصة الالتقاء أمام جمهور عربي ودولي.

من الفن إلى التتويج

لكن سهرة الاختتام لن تكون موسيقية فقط.

ففي اللحظة التي تصل فيها الدورة إلى نهايتها، ستتجه الأنظار إلى النتائج التي أفرزتها المسابقات، من خلال تتويج الأعمال الفائزة في المسابقات الإذاعية والتلفزيونية الرئيسية والموازية، إلى جانب مسابقة الإعلام الجديد.

وتمثل هذه اللحظة ذروة المنافسة المهنية التي ترافق المهرجان منذ انطلاقه.

فالجوائز لا تعني فقط الإعلان عن فائزين، وإنما تسلط الضوء على الأعمال التي نجحت في تقديم قيمة فنية أو إعلامية متميزة، سواء من حيث الفكرة أو المعالجة أو التنفيذ أو القدرة على مخاطبة الجمهور.

كما أن حضور الإعلام الجديد في لحظة التتويج يعكس بوضوح التحول الذي طرأ على مفهوم الإنتاج الإعلامي نفسه. فالمنافسة لم تعد محصورة في الشاشة التقليدية، بل امتدت إلى فضاءات رقمية أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من صناعة الصورة والرأي والمحتوى.

بين التكريم والتتويج

وبين افتتاح يكرم أسماء سيصنع جزءاً من الذاكرة العربية، واختتام سيتوج أعمالاً تمثل الحاضر وربما ملامح المستقبل، يبدو أن المهرجان اختار أن يبني دورته على معادلة واضحة: الاحتفاء بما تحقق، وتشجيع ما هو آتٍ.

من قرطاج، تنطلق الحكاية بأصوات النجوم وذاكرة المكان.

ومن مدينة الثقافة، تصل إلى لحظة التتويج، حيث تتقاطع الموسيقى مع الإعلام، والتراث مع التجديد، والتجربة المتراكمة مع الطموح الجديد.

وبين المحطتين، يتحرك المهرجان في مساحة أوسع من حدود المسابقة أو العرض الفني. إنه يفتح نافذة على قطاع عربي الذي يعيش تحولات عميقة، ويجمع في فضاء واحد أهل المهنة والفن والإعلام، في محاولة لخلق حوار يتجاوز حدود البلدان والمنصات.

تونس… منصة عربية للإبداع

وتؤكد استضافة تونس للدورة السادسة والعشرين مكانتها كفضاء قادر على احتضان الفعاليات العربية الكبرى ذات الصلة بالفن والإعلام والثقافة.

فالجمع بين المسرح الأثري بقرطاج ومدينة الثقافة يمنح الحدث بعداً بصرياً ورمزياً واضحاً: من موقع يحمل ذاكرة الحضارات إلى فضاء ثقافي حديث ينفتح على المستقبل. وهو مسار ينسجم تماماً مع شعار الدورة.

فـ« نبض الصورة » هو ما يعيشه الإعلام والفن اليوم، بينما « صدى المستقبل » هو ما يحاول القطاع اكتشافه وسط التحولات التكنولوجية والثقافية المتسارعة.

أربعة أيام.. ومشهد عربي واحد

تختصر هذه  الدورة من المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون مساراً يمتد من الفن إلى الإعلام، ومن التكريم إلى المنافسة، ومن التراث إلى التجديد.

ناصيف زيتون ورحمة رياض يفتتحان الموعد من قرطاج، فيما يقود كريم الثليبي وراسم دمق السهرة الختامية نحو تجربة موسيقية تستعيد الموال وتضعه في سياق جديد، بمشاركة أصوات عربية من فلسطين وعُمان والسودان ومصر والجزائر والكويت.

وبين البداية والنهاية، تظل الصورة هي القاسم المشترك.

صورة الفنان، وصورة الإعلامي، وصورة العمل الفائز، وصورة المهرجان نفسه وهو يحاول أن يعكس واقع إعلام عربي يتغير باستمرار.

من قرطاج إلى الأوبرا، ومن الافتتاح إلى الاختتام، لا يكتفي المهرجان بالاحتفال بالفن والإعلام، بل يقدم رسالة أوسع: أن الإبداع العربي، مهما تغيرت أدواته ومنصاته، يظل قادراً على الجمع بين الذاكرة والمستقبل، وبين الأصالة والابتكار.

وهنا تحديداً يصبح « نبض الصورة وصدى المستقبل » أكثر من شعار لدورة جديدة؛ يصبح عنواناً لمرحلة كاملة تبحث فيها الثقافة والإعلام العربيان عن صورتهما القادمة، من دون أن يفقدا أصواتهما القديمة.

ملاك الشوشي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى