ثقافة

مرتضى الفتيتي يشعل ركح نابل… حين تتحول الأغنية إلى ذاكرة جماعية

مهرجان نابل الدولي يراهن على جيل جديد من الفنانين، ومرتضى الفتيتي يثبت أن الحضور الركحي لا يُقاس بالصوت فقط بل بقدرة الفنان على صناعة لحظة مشتركة مع الجمهور

لم تكن ليلة السبت 1 أوت 2026 على ركح المسرح الصيفي منصف قرط بنابل مجرد موعد موسيقي عابر ضمن برمجة الدورة الثامنة والثلاثين لمهرجان نابل الدولي، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لعلاقة فنان شاب بجمهوره، ولقدرة الأغنية التونسية الجديدة على تجاوز حدود الاستماع لتصبح تجربة جماعية يعيشها الحاضرون بكل تفاصيلها.

منذ الساعات الأولى التي سبقت العرض، كانت المؤشرات واضحة. فقد أعلنت إدارة المهرجان عن نفاد جميع التذاكر، لتتحول السهرة إلى موعد مكتمل الحضور، حيث امتلأت المدارج والكراسي بجمهور جاء لاكتشاف عرض مرتضى الفتيتي أو لمشاركته أغانيه التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الموسيقية لجيل واسع من التونسيين.

وعندما اعتلى الفنان الركح، لم يصعد أمام جمهور فقط، بل أمام طاقة بشرية تفاعلت معه منذ اللحظة الأولى. أصوات تردد الكلمات، أيادٍ تتحرك في الهواء، وتصفيق متواصل صنع مشهدًا بصريًا بدا وكأنه امتداد طبيعي للموسيقى نفسها.

عرض يتجاوز الحفل التقليدي

اختار الفتيتي ألا يقدم سهرة غنائية كلاسيكية تعتمد فقط على الأداء الصوتي، بل راهن على بناء عرض متكامل يجمع بين الموسيقى والاستعراض والصورة. فالمسرح تحول إلى فضاء فرجوي تتداخل فيه الإضاءة مع الحركة والكوريغرافيا والمؤثرات البصرية، ليصبح الجمهور جزءًا من العرض لا مجرد متلقٍ له.

رافق الفنان عدد من الراقصين الذين قدموا لوحات متجددة، تغيرت خلالها الملابس والمشاهد والإيقاعات، ما منح السهرة نسقًا تصاعديًا حافظ على انتباه الجمهور طوال أكثر من ساعتين من الأداء.

لقد أدرك الفتيتي أن الفنان المعاصر لا يعيش فقط داخل حدود الأغنية، بل داخل منظومة كاملة من العناصر التي تصنع تجربة فنية متكاملة. فالصوت يحتاج إلى صورة، والإيقاع يحتاج إلى حركة، والركح يحتاج إلى شخصية قادرة على ملئه.

أغاني صنعت جسورًا مع الجمهور

تنقل الفتيتي بين مجموعة من أبرز أعماله التي شكلت محطات مهمة في مسيرته، من بينها “شدة وتزول” و “2000 كتاب” و “يا ليل” و “يا سيدي انسى” و “رايدة” و “يا صاحبي” و “قمرة” و “ماني راجع” و “ما علاباليش” و “Accident” و “بورا بورا”.

كما أدى الفتيتي خلال السهرة أغنية “يا للا جيتك بدخيل” و “يا سيدة يا نغارة”، وهي من الاختيارات المستمدة من المخزون الصوفي والتراثي التونسي، لتضيف إلى العرض بعدًا روحانيًا واحتفاليًا تفاعل معه الجمهور.

لكن قيمة هذه الأغاني لم تكن فقط في كلماتها أو ألحانها، بل في الطريقة التي أعاد بها الجمهور إنتاجها فوق الركح. فالأغنية التي تُسمع عبر المنصات أو الإذاعات تتحول في المهرجانات إلى حالة جماعية، حيث يصبح الجمهور شريكًا في الأداء.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الفتيتي: قدرته على خلق علاقة مباشرة مع الحاضرين، علاقة تقوم على القرب والتفاعل وليس فقط على المسافة التقليدية بين الفنان والمتلقي.

“يا بابا”… اللحظة التي توقف فيها الإيقاع وتكلم الإحساس

وسط أجواء الفرح والطاقة الشبابية، جاءت أغنية “يا بابا” لتغير مسار السهرة. فجأة انخفض إيقاع الاحتفال، وحل مكانه صمت عاطفي عميق.

كانت الكلمات أقرب إلى اعتراف إنساني مفتوح، واستطاعت أن تلامس تجارب شخصية لدى عدد كبير من الحاضرين. ظهرت مشاعر التأثر على وجوه بعض أفراد الجمهور، وتحولت الأغنية إلى مساحة لاستحضار الذكريات والعلاقات العائلية والحنين.

في تلك اللحظة، لم يكن الفتيتي يؤدي أغنية فقط، بل كان ينقل إحساسًا مشتركًا بينه وبين الجمهور، وهو ما جعله يتفاعل مع وقع اللحظة قائلاً: “معادش مغنيها”، في إشارة إلى قوة التأثير العاطفي الذي أحدثته الأغنية.

لقد كشفت هذه المحطة أن نجاح الفنان لا يقاس فقط بعدد الأغاني الناجحة، بل بقدرته على لمس مناطق داخلية لدى الناس لا تصل إليها الكلمات العادية.

موسيقى خلف الستار… فرقة تصنع الفرق

وراء الصورة التي شاهدها الجمهور، كانت هناك فرقة موسيقية لعبت دورًا أساسيًا في نجاح العرض. فالموسيقى الحية كانت أحد أعمدة السهرة، بفضل تناغم مجموعة من العازفين الذين منحوا الأغاني طاقة إضافية.

قاد الإنتاج الموسيقي فؤاد بوخديدة، بينما تألق حسني الحمدي على الغيتار، ومهدي القريصة على لوحة المفاتيح، وحمدي الجموسي على الدربوكة، فيما أضفى سيف اللوهبي حيوية خاصة على الإيقاعات من خلال أدائه على الطبول.

كما لفتت عازفة الإيقاع وي وي بيركو الأنظار بحضورها الركحي المميز، وبطريقتها الخاصة في التعامل مع الآلات، حيث جمعت بين القوة الموسيقية والشخصية البصرية التي أصبحت جزءًا من حضورها الفني.

هذه المجموعة لم تكن مجرد مرافقة للفنان، بل كانت عنصرًا أساسيًا في بناء الهوية الموسيقية للعرض.

مرتضى الفتيتي… جيل جديد يبحث عن مكانه

يمثل الفتيتي نموذجًا لجيل جديد من الفنانين التونسيين الذين يحاولون بناء منطقة وسطى بين المحافظة على روح الأغنية المحلية والانفتاح على أشكال موسيقية حديثة.

فهو لا يقدم قطيعة مع التراث، لكنه يعيد قراءته عبر إيقاعات وتوزيعات أقرب إلى ذائقة الشباب اليوم. وهذه المعادلة هي التي جعلته قادرًا على الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور.

إن حضوره في مهرجان نابل الدولي لا يمثل فقط نجاح حفلة، بل يعكس تحولًا في المشهد الموسيقي التونسي، حيث أصبحت أسماء شابة قادرة على حمل مشاريع فنية جماهيرية تمتلك رؤية واضحة وهوية خاصة.

نابل… ليلة تؤكد أن الجمهور مازال يبحث عن الفن الحي

في نهاية السهرة، غادر الجمهور مسرح الهواء الطلق منصف قرط وهو يحمل أصداء عرض جمع بين الفرح والتأثر، بين الرقص والحنين، وبين الطاقة الشبابية وعمق الأغنية.

لقد نجح مرتضى الفتيتي في كسب رهانه: تقديم عرض يحترم ذكاء الجمهور، ويثبت أن الحفل الناجح لا يصنعه الانتشار وحده، بل تصنعه القدرة على خلق لحظة لا تتكرر.

في تلك الليلة، لم يكن ركح نابل مجرد مساحة للأداء، بل كان مكانًا التقت فيه الأغنية بالذاكرة، والفنان بجمهوره، وتحولت السهرة إلى واحدة من المحطات المضيئة في مسيرة مهرجان نابل الدولي.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى