أدبثقافة

في والغ، للأمكنة ذاكرة: منزل الباروني وجامع الباسي في مرآة « قطوف 2026 »

من ذاكرة العمارة إلى ذاكرة المعرفة، ومن الحكاية المحلية إلى آداب الجنوب: رحلة في تاريخ جربة وهويتها على هامش الدورة الثانية من مهرجان « قطوف – مهرجان آداب الجنوب »، تحت شعار « الأدب والتحرّر ».

بمناسبة الدورة الثانية من مهرجان « قطوف – مهرجان آداب الجنوب »، التي احتضنتها جزيرة جربة يومي 15 و16 أكتوبر 2026، اكتشف المشاركون جانبًا من التراث المحلي بمنطقة والغ، من خلال زيارة منزل الباروني وجامع الباسي، المعروف أيضًا باسم « جامع الباسي » أو « جامع الباسّي »، بحسب اختلاف كتابة اسمه بالحروف اللاتينية. وقد مثّلت هذه الجولة فرصة للغوص في ذاكرة المكان، واستكشاف تاريخ السكن التقليدي والبيوت العائلية العريقة، واستحضار إرث الفضاءات التي احتضنت المعرفة والتعليم، بما تكشفه من تعدّد أبعاد الهوية الجربية ومن ثراء تاريخ الجنوب وموروثاته الثقافية.

في جربة، ثمّة أماكن لا تكشف أسرارها من النظرة الأولى. لا تسعى إلى الإبهار ولا تستدرج الأنظار، بل تنزوي بعيدًا عن الضجيج، خلف جدران حفرت فيها السنوات آثارها، وعند نهايات مسالك تبدو وكأنها احتفظت بذاكرة الخطوات العابرة. ولاكتشاف هذه الأماكن، لا بدّ من التمهّل، والإصغاء إلى السكان، وتأمّل الحجارة، واستنطاق الصمت؛ عندها فقط ندرك أنها ليست مجرّد أطلال أو بقايا من الماضي، بل شواهد على تاريخ جماعي، وعلى حضارة قامت على التوارث والتكيّف والتجذّر في الأرض.

في والغ، يدعو منزل الباروني وجامع الباسي إلى قراءة الجزيرة على مهل، والإصغاء إلى ما تقوله الأمكنة خارج ضجيج الحاضر. مكانان بوظيفتين مختلفتين، لكنهما يضيئان جانبين متكاملين من علاقة الإنسان بأرضه: أن يسكن، ويزرع، ويؤمن، ويتعلّم، وينقل ما اكتسبه إلى الأجيال اللاحقة.

وتكتسب هذه الجولة دلالة خاصة في سياق الدورة الثانية من مهرجان « قطوف – مهرجان آداب الجنوب »، بعد نجاح دورته الأولى سنة 2025. وقد جدّد المهرجان، من خلال هذه الدورة، طموحه إلى جعل الجنوب فضاءً لتداول النصوص والأفكار، وتبادل التجارب الثقافية، واستكشاف الآفاق الإبداعية والإنسانية التي تفتحها المخيّلة الأدبية.

وشهدت هذه الدورة مشاركة كتّاب وشعراء ومفكّرين وفنّانين، قدموا من المغرب العربي والمشرق وإفريقيا جنوب الصحراء وآفاق أخرى، في يومين حافلين باللقاءات والنقاشات والقراءات والعروض والورشات. وعكس هذا التنوع رغبة المهرجان في إقامة حوار مباشر بين تجارب ثقافية وأدبية متعدّدة، وإتاحة المجال أمام آداب الجنوب كي تلتقي وتتفاعل وتنفتح بعضها على بعض، انطلاقًا من الجنوب نفسه، بعيدًا عن الوساطات الثقافية التقليدية، بما يعزّز حضوره بوصفه فضاءً لإنتاج المعرفة والإبداع وتبادل الأفكار.

ويحمل اسم « قطوف » دلالة ترتبط بالقطاف والحصاد، وهي دلالة تنسجم مع روح المهرجان القائمة على جمع الأصوات والحكايات والتجارب الأدبية القادمة من مناطق متعدّدة، وإتاحة المجال أمامها للتحاور والتفاعل. وتشرف على قيادة هذا المشروع فاطمة بوفي دو لا ميزونوف، ومنيرة ضو، وسرور الباروني، ونادية هثروبي صفصاف، بطموح إلى ترسيخ المهرجان موعدًا سنويًا قارًّا للاحتفاء بآداب الجنوب، وإلى بناء فضاء مستدام للتبادل الثقافي والإبداعي.

وقد جمعت الدورة الثانية أسماء بارزة، من بينها أميرة غنيم، وموحى حرمل، وعفيفة سعودي السميطي، وسفيان رجب، ومحمد عيسى المؤدّب، وبشرى فورتي، وداني كوياتي، وسليمان بشير ديان، وإيناس سنغور، ولميس السعيدي، إلى جانب أسماء أخرى. والتقت في جربة أصوات متنوّعة وخلفيات فكرية وثقافية مختلفة، تتقاطع فيها الأدب والشعر والفلسفة والسينما والترجمة والبحث الأكاديمي.

ولا يقتصر مشروع « قطوف » على تنويع قائمة ضيوفه، بل يسعى إلى إعادة التفكير في طرق تداول المعرفة وفي مراكز الثقل الثقافي، مؤكدًا أن آداب المغرب العربي والعالم العربي وإفريقيا ليست مضطرة إلى المرور حتمًا عبر العواصم الغربية الكبرى كي تتحاور وتنتشر وتحظى بالاعتراف. فالجنوب ليس مجرّد موضوع للكتابة أو فضاء يستقبل المبادرات الثقافية، بل هو أيضًا مصدر للسرديات والأفكار، ومجال لإنتاج المعرفة وتبادل التجارب.

في هذا السياق، لا يُختزل التراث الجربي في كونه خلفية جمالية أو مشهدًا سياحيًا. إنه مادة سردية حيّة، وخزان للذاكرة، ونقطة انطلاق للتساؤل عن الكيفية التي يروي بها المجتمع قصته، ويحفظ آثاره، وينقل تجربته التاريخية من جيل إلى آخر.

منزل الباروني: السكن والتوارث والانتماء

في جربة، لا يُختزل « المنزل الجربي » (Menzel) في مفهوم المسكن التقليدي، بل يحيل إلى نمط متكامل لتنظيم الحياة، وتوزيع الفضاءات، والتعامل مع الموارد الطبيعية، وتحقيق التوازن بين خصوصية الأسرة ومتطلبات العيش والإنتاج والتواصل الاجتماعي.

وقد تشكّل المشهد العمراني للجزيرة تاريخيًا حول نمط من السكن المتناثر، يجمع بين المجالات العائلية والأراضي الزراعية ومرافق الحياة اليومية. وأسهم هذا التنظيم، الذي تبلور على امتداد قرون، في تشكيل هوية الجزيرة المعمارية والاجتماعية.

وقد اكتسب هذا النمط العمراني اعترافًا دوليًا عندما أُدرجت جربة سنة 2023 على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تحت عنوان « جربة: شهادة على نمط إعمار في مجال ترابي جزيري ». ويبرز هذا التصنيف أهمية نظام السكن المتناثر الذي تطوّر في الجزيرة، بوصفه نموذجًا لتكيّف الإنسان مع بيئة شبه جافة تعاني شحّ المياه، ولتنظيم المجال بما يوازن بين السكن والإنتاج والروابط الاجتماعية.

في هذا السياق، يمثّل المنزل الجربي فضاءً متكاملًا للحياة، يقوم على مبدأ أساسي هو صون خصوصية الأسرة. وتتوزع مكوّنات المجال العائلي، بحسب حجمه وتكوينه، بين المسكن الرئيسي وفضاءات استقبال الضيوف ومرافق العمل والمنشآت المرتبطة بالنشاط الزراعي. ويسمح هذا التنظيم بالتمييز بين الحياة الخاصة والأنشطة الاقتصادية واستقبال الزوار، ضمن توازن يراعي احتياجات الأسرة ومتطلبات الإنتاج والضيافة.

وفي قلب هذا النظام، تحتل الدار، أو « الحوش »، مكانة محورية. إذ تنتظم فضاءاتها عادةً حول وسط الحوش، بما يوفّر الخصوصية ويحمي الحياة العائلية من أعين المارة، ويساعد في الوقت نفسه على التهوئة وتلطيف الحرارة. وتدعم الجدران المتينة وتوزيع الغرف هذا التوجّه المعماري الذي يجمع بين متطلبات المناخ والخصوصية والحماية.

وهكذا، يتجاوز المنزل الجربي كونه مجموعة من الأبنية؛ فهو تعبير عن طريقة في السكن، وعن رؤية للعلاقة بين الإنسان ومحيطه، وعن ذاكرة عائلية تتجسّد في توزيع الفضاءات وفي الاستخدامات التي توارثتها الأجيال.

وخلال زيارة المشاركين في مهرجان « قطوف »، كشف منزل الباروني عن جوانب من براعة العمارة الجربية التقليدية، حيث يتكامل تنظيم الفضاءات مع الحفاظ على خصوصية الأسرة والتأقلم مع البيئة المحلية. كما أتاح فرصة للتأمل في الكيفية التي تختزن بها المنازل العريقة ذاكرة العائلات، وتروي من خلال تفاصيلها تاريخ الحياة اليومية والتحولات التي شهدتها الجزيرة.

إن قراءة منزل الباروني لا تتوقف عند وصف جدرانه ومكوّناته، بل تتجاوز ذلك إلى طرح أسئلة عن الذاكرة العائلية، والعلاقات بين الأجيال، والصلة بين المسكن والمجال الذي نشأت فيه الأسرة. فالعمارة التقليدية لا تعبّر عن حلول عملية لمتطلبات العيش فحسب، بل تختزن أيضًا قيمًا اجتماعية وتصورات ثقافية تتعلق بالخصوصية والضيافة والانتماء.

جامع الباسي: حين تلتقي الصلاة بالمعرفة

يفتح جامع الباسي نافذة أخرى على تاريخ جربة، هي نافذة المعرفة الدينية والفكرية. ويقع الجامع في منطقة والغ، ويرتبط، بحسب الروايات التاريخية المتداولة حوله، بمرحلة من القرن الثامن عشر شهدت تشييد فضاء لم يكن مخصصًا للصلاة وحدها، بل صُمّم ليؤدي وظيفة تعليمية متكاملة ضمن تقاليد التعليم الإباضي.

وتنسب الرواية التاريخية بناء هذا المركّب إلى ثلاثة إخوة من عائلة الباسي: الحاج محمد، والحاج سالم، والحاج عثمان. ويُقال إن الأشغال اكتملت سنة 1198 هجرية، الموافقة لسنتي 1784 و1785 ميلاديتين. كما تشير الروايات المتعلقة بالمعلم إلى وجود لوحة رخامية تحمل نقشًا تذكاريًا لتأسيسه، وإلى إقامة احتفال عند انتهاء البناء شارك فيه علماء من الجزيرة.

وتستحق هذه المعطيات مزيدًا من التوثيق الميداني والأرشيفي، خصوصًا فيما يتعلق بتفاصيل التأسيس وتاريخ كل عنصر معماري من عناصر المركّب. غير أن أهمية الجامع لا تتوقف على تاريخ تشييده، بل تتجلى أيضًا في الوظائف التي يُنسب إليه احتضانها.

فما يميّز هذا المعلم هو تنظيم فضاءاته. إذ يضم المركّب، وفق الأوصاف التاريخية المتداولة، قاعة للصلاة، وساحةً داخليةً تحيط بها أروقة مسقوفة، ومكانًا للوضوء، وفضاءً للتعليم القرآني، ومكتبة، ومرافق ملحقة، وغرفًا كانت مخصصة لإقامة الطلبة. كما يُذكر أن مسكنًا خُصّص للشيخ الذي يتولى التدريس، وأن عدد غرف الطلبة بلغ إحدى عشرة غرفة وفق أحد المصادر التاريخية.

وبذلك، كان المركّب يمثّل بيئة تجمع بين العبادة والتعلّم والحياة اليومية. فالمعرفة لم تكن نشاطًا منفصلًا عن الممارسة الدينية أو عن تفاصيل العيش، وإنما كانت جزءًا من نظام متكامل يقوم على الدراسة والإقامة والتفاعل بين المعلّم والمتعلّم.

وتمنح هذه الوظيفة التعليمية الجامع مكانة خاصة في تاريخ الحياة الفكرية بجربة. فالمعرفة لا تنتقل بالدرس والقراءة وحدهما، بل تتكوّن أيضًا من التعايش بين الأجيال، وتبادل الخبرات، والمناقشات، والمواظبة على التعلّم، واستمرار حلقات التعليم من جيل إلى آخر.

وتكتسب المكتبة، في هذا الإطار، أهمية خاصة بوصفها مستودعًا للكتب والمخطوطات، ووسيطًا لحفظ المعرفة وتداولها. ولا يتعلق الأمر بمجرد تجميع الكتب، بل بحفظ آثار تاريخية وفكرية تتيح للباحثين إعادة بناء مسارات التعليم والحياة الدينية والثقافية في الجزيرة.

وتؤكد الفهارس والجهود البحثية المتعلقة بالمخطوطات الإباضية المحفوظة في جربة أهمية هذا الرصيد. وتشير المعلومات المتاحة عن مجموعات المخطوطات إلى وجود أرصدة محفوظة في مكتبات عائلية ومؤسسات محلية، من بينها مكتبة الباسي. كما تتضمن فهارس المكتبة البريطانية سجلات مرتبطة بمجموعة مخطوطات عائلة الباسي، ووثائق عائلية ووثائق تتصل بمشتريات تخص الجامع.

وتكشف هذه الإشارات الأرشيفية عن قيمة البحث في الوثائق العائلية إلى جانب دراسة المبنى نفسه، لفهم تاريخ الجامع وشبكات التعليم والرعاية الدينية التي أحاطت به. فالمخطوط ليس مجرد كتاب قديم، بل شاهد على مسارات انتقال المعرفة، وعلى اهتمامات القرّاء والنسّاخ والعلماء، وعلى الروابط الفكرية التي تجاوزت حدود الجزيرة.

ولا تقلّ العمارة أهمية عن الوظيفة التعليمية في هذا المعلم. فالمئذنة، التي توصف بأنها أكثر كتلة واستدارة من الأبراج النحيلة الشائعة في بعض الطرز المعمارية، ترتكز على قاعدة مربعة، بينما تعكس القباب المتعاقبة وبساطة المواد وتنظيم الساحة الداخلية خصائص من العمارة الجربية التقليدية. وتشير بعض الأوصاف إلى عناصر قد تحمل تأثيرات عثمانية، غير أنّ تأكيد هذه التأثيرات وتحديد طبيعتها يتطلّبان الاستناد إلى مصادر تاريخية موثوقة وتحليل الخصائص المعمارية للجامع ومقارنتها بنظيراتها في مبانٍ أخرى من الفترة نفسها.

ويمنح هذا التكوين المعماري الجامع شخصية مميزة ضمن المشهد الديني للجزيرة، حيث لا تنفصل الوظيفة التعبدية عن الوظائف الاجتماعية والتعليمية التي اضطلعت بها بعض المساجد تاريخيًا.

وفي هذا السياق، لا يروي جامع الباسي تاريخ مبنى ديني فحسب؛ بل يشهد على مرحلة كان فيها التعليم والمكتبة وإقامة الطلبة والممارسة الروحية تجتمع في فضاء واحد. وتتيح زيارته إدراك أن تراث جربة ليس تراثًا معماريًا فقط، بل هو أيضًا تراث للمعرفة، صاغته الكتب والمعلمون والطلاب والأجيال التي أسهمت في نقل تقاليد فكرية ودينية متوارثة.

وخلال زيارة المشاركين في « قطوف »، يفتح جامع الباسي مجالًا للتفكير في الصلة بين الأدب والذاكرة والتحرّر الثقافي. ومن هنا، تتجلّى أهمية هذا المعلم في أنّ صون التراث لا يقتصر على حماية المباني، بل يشمل أيضًا الحفاظ على الذاكرة المعرفية ونقلها من جيل إلى آخر.

بين المنزل والجامع: تاريخ من الاستمرارية والتحوّل

أتاحت زيارة هذين المعلمين في والغ اكتشاف بُعدين متكاملين من التراث الجزيري: فنّ السكن وتنظيم الحياة العائلية من جهة، ونقل المعرفة وصيانة الذاكرة الفكرية والدينية من جهة أخرى.

فمنزل الباروني يشهد على طريقة تقليدية في تنظيم الحياة الأسرية والتفاعل مع المجال الطبيعي والاجتماعي. ومن خلال هندسته وتوزيع فضاءاته، يدعونا إلى التفكير في أنماط العيش، والعلاقات بين الأجيال، والصلة بين المسكن ومحيطه.

أما جامع الباسي، فيذكّر بالدور الذي أدّته أماكن العبادة، في بعض السياقات التاريخية، في نقل المعارف الدينية واحتضان التعليم والمساهمة في تنظيم حياة الجماعات المحلية.

تجمع زيارة منزل الباروني وجامع الباسي بين معلمين يضيئان جانبين متكاملين من تاريخ المجتمع الجربي؛ إذ يكشف الأول عن خصوصية نمط العيش وتنظيم الحياة العائلية، ويجسّد ذاكرة الفضاء المنزلي وما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية، فيما يبرز الثاني دور الفضاءات الدينية والتعليمية في ترسيخ المعرفة ونقلها عبر الأجيال، ويفتح نافذة على الحياة الروحية والفكرية للجزيرة. ومن خلال هذه المقاربة، تتكامل دلالات المكانين لتقدّم قراءة أوسع للتراث الجربي، بوصفه شاهدًا على تنوّع التجارب الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في تشكيل هوية الجزيرة وصون ذاكرتها عبر الزمن.

وهنا تتجلى قيمة المقاربة التراثية: تجاوز الاكتفاء بالتأمل في الحجارة، والعودة إلى الاستخدامات والمعارف والحكايات الإنسانية التي تمنحها معناها. فحين يزور المشاركون في « قطوف » هذه الأمكنة، يتحوّل التراث الجربي إلى مادة للاستكشاف والسرد، عند تقاطع الذاكرة المحلية والتاريخ والإبداع الأدبي.

إن المكان لا يكتسب دلالته من بنيته المادية وحدها، بل أيضًا من العلاقات التي نشأت داخله، ومن الحكايات التي ارتبطت به، ومن المعاني التي يواصل الناس إضفاءها عليه. وقد تكون زيارة واحدة بداية لإعادة اكتشاف تفاصيل ظلّت مألوفة في أعين السكان، لكنها لم تحظ بعد بما تستحقه من بحث وتوثيق وسرد.

« قطوف »: حين يصبح الجنوب فضاءً لإنتاج الحكايات

تنبع أهمية زيارة منزل الباروني وجامع الباسي من انسجامها مع التوجّه الثقافي لمهرجان « قطوف »، الذي يسعى إلى ربط الأدب بالمكان، وإلى جعل الذاكرة المحلية جزءًا من الحوار الأدبي والفكري الأوسع.

فالمهرجان لا يكتفي باستضافة كتّاب وشعراء ومفكّرين من بلدان وثقافات متعددة، بل يعمل على تقديم جربة بوصفها فضاءً للتفاعل بين التراث والإبداع، وبين الذاكرة المحلية والأسئلة الإنسانية المشتركة. ومن هذا المنظور، لا يكون المكان مجرد خلفية للفعاليات، وإنما يصبح عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى وإثارة الأسئلة.

كما أولى المهرجان اهتمامًا بالناشئة ونقل المعرفة، من خلال إشراك المؤسسات التربوية في الجزيرة في أنشطته، واعتماد العربية والفرنسية والإنجليزية في اللقاءات، بما يتيح التواصل بين خلفيات لغوية وثقافية مختلفة. وقد امتدّ برنامج الدورة الثانية إلى الفضاء العام من خلال مبادرات من بينها «حكايات على متن قارب»، التي تتيح للأدب مغادرة القاعات والالتقاء بالمشهد الجربي.

ويحمل شعار الدورة، « الأدب والتحرّر »، دلالة تتجاوز المعنى السياسي المباشر للتحرّر. فهو يفتح المجال للتفكير في حق المجتمعات في سرد تاريخها بأصواتها الخاصة، وفي استعادة ذاكرتها، وفي اختيار اللغات والمنابر التي تعبّر من خلالها عن تجاربها. كما يطرح سؤالًا جوهريًا حول مراكز إنتاج المعرفة والاعتراف الأدبي، وحول قدرة آداب الجنوب على بناء شبكاتها الخاصة للحوار والتبادل.

فآداب المغرب العربي والمشرق وإفريقيا جنوب الصحراء ليست بحاجة إلى المرور حتمًا عبر العواصم الغربية الكبرى كي تتحاور وتنتشر. إنها تمتلك تاريخًا غنيًا من التفاعل، وتنوعًا في اللغات والأشكال الأدبية والتجارب الفكرية، يؤهلها لإقامة حوار مباشر يتيح لها إنتاج رؤاها الخاصة والتأثير في المشهد الثقافي العالمي.

ومن هنا، تصبح جربة أكثر من مكان يستضيف مهرجانًا أدبيًا؛ إنها فضاء ينطلق منه الحوار، وتلتقي فيه التجارب، وتُروى عبره حكايات الجنوب من موقع الفاعل الذي ينتج المعرفة والمعنى، لا من موقع المتلقي وحده.

تحويل التراث إلى مادة للإبداع

يمكن للمهرجانات الأدبية أن تسهم في تجديد النظرة إلى التراث، حين تجمع الكتّاب والباحثين والفنانين والسكان المحليين في فضاء واحد، وتتيح ظهور روايات غير معروفة، وتفتح آفاقًا جديدة لقراءة الأمكنة المألوفة.

ومن هذا المنظور، يمكن لمنزل الباروني وجامع الباسي أن يكونا منطلقًا لمشروع توثيقي يجمع بين الشهادات الشفوية والتصوير والبحث التاريخي والإبداع الأدبي. فالتفاصيل المعمارية، والنقوش، والوثائق العائلية، وذكريات السكان، كلها مسارات ممكنة لاستكشاف التاريخ المحلي وإعادة كتابته.

قد تكشف بوابة عتيقة عن ملامح الحياة داخل المنزل، وعن عادات الضيافة وطرائق استقبال الزوّار التي توارثتها الأجيال. وقد يقود نقش إلى مسار بحث في الأنساب أو في تاريخ تأسيس المبنى. ويمكن لرواية أحد كبار السن أن تستعيد وظيفة فضاء تغيّرت استخداماته مع مرور الزمن. كما قد توثّق صورة عائلية نمط حياة اندثر أو عرف تحولات عميقة.

ويمكن للمهرجان أن يفتح المجال أمام ورشات للكتابة الميدانية، وجمع الحكايات، وإعداد ملفات مصوّرة، وقراءات أدبية تستلهم المكان. كما يمكن أن يساهم في إشراك الأجيال الشابة في توثيق ذاكرة أحيائها ومنازلها ومساجدها، بما يعزّز الصلة بين المعرفة والإبداع والانتماء إلى المجال المحلي.

ولا يتمثل الرهان في تحويل هذه الأمكنة إلى ديكورات للعرض، بل في وضعها في قلب حوار متواصل بين الماضي والحاضر. ومن هذا التفاعل بين البحث والإبداع والذاكرة المحلية، يكتسب الحوار مع « قطوف » قيمة خاصة، إذ يصبح الأدب وسيلة لإعادة اكتشاف المكان، لا مجرد نشاط يُقام داخله.

إن الكتابة عن منزل أو جامع ليست استعادة لصورتهما الخارجية فحسب، بل محاولة لفهم ما عاشه الناس فيهما، وما حملوه من آمال ومخاوف وتجارب، وما اختاروا الاحتفاظ به أو تركه خلفهم.

حماية الحجارة وصون الحكايات

يشكّل الاعتراف الدولي بتراث جربة محطة مهمة في مسار تثمينه، لكنه لا يضمن، بمفرده، حماية جميع أبعاده المادية واللامادية. فالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية قد تبدّل استخدامات الأمكنة، وتضعف الروابط التي تجمع المجتمعات المحلية بمحيطها التاريخي.

وقد أبرز ملف إدراج جربة على قائمة التراث العالمي أهمية المحافظة على نظامها العمراني التقليدي، وعلى العلاقة بين المساكن والأراضي الزراعية والمسالك ومراكز الحياة الاجتماعية. كما تبرز الحاجة إلى مواصلة التوثيق والصيانة، وإشراك السكان والجهات المختصة في حماية هذا الإرث.

فحماية المعالم لا تعني صيانة جدرانها فقط، بل تشمل احترام مواد بنائها، وتوثيق مراحل تحوّلها، وفهم سياقها التاريخي، وتوفير إطار مناسب لصونها واستعمالها بما لا يضر بأصالتها.

أما صون التراث الحي، فيقتضي كذلك جمع الروايات التي تمنح المكان معناه، ونقل المهارات المرتبطة به، والحفاظ على الصلة بين المعالم والمجتمعات التي تعرفها وتستخدمها وتستحضر تاريخها.

وبالنسبة إلى منزل الباروني، يمكن أن تبدأ هذه العملية بجمع الوثائق المتعلقة بتاريخ العائلة والمبنى، وتوثيق خصائصه المعمارية، ورصد التحولات التي عرفها عبر الزمن، بالاستعانة بشهادات السكان والمراجع المتاحة.

أما جامع الباسي، فيستدعي توثيق تاريخه المعماري ووظائفه الدينية والتعليمية، والتحقق من تفاصيل تأسيسه، وجمع ما يتصل به من نقوش ووثائق ومخطوطات وشهادات شفوية، بالتعاون مع الباحثين والجهات المختصة بالتراث.

ومن شأن هذه الجهود أن تنقل الحديث عن هذه المعالم من الوصف الانطباعي إلى معرفة أكثر رسوخًا، يمكن أن يستفيد منها السكان والباحثون والزوار والفاعلون الثقافيون.

فالمخاطر لا تقتصر على احتمال فقدان مبنى قديم؛ إذ يمكن أن نفقد أيضًا المفاتيح التي تسمح لنا بفهمه، ومعرفة الأشخاص الذين ارتبطوا به، واستيعاب الدور الذي أدّاه في حياة المجتمع.

وقد يبقى المبنى قائمًا، بينما تختفي الحكايات التي كانت تفسّر تفاصيله، أو الوثائق التي توضّح تاريخ إنشائه، أو تنقطع الصلة بينه وبين الوظائف التي منحته مكانته. لذلك، فإن التوثيق والبحث ونقل المعرفة ليست أنشطة تكميلية للحماية، بل عناصر أساسية في صون التراث.

في جربة، يحتاج المستقبل إلى الذاكرة

في والغ، يدعونا منزل الباروني وجامع الباسي إلى النظر إلى جربة من زاوية مختلفة: ليس باعتبارها جزيرة تختزلها مناظرها الشهيرة، بل بوصفها مجالًا تشكّل عبر أجيال من السكان الذين نظموا مساكنهم، وتأقلموا مع بيئتهم، وابتكروا طرائق للعيش ونقل المعارف.

يستحضر المنزل فضاء الأسرة واستمرارية الأجيال، فيما يفتح الجامع باب التفكير في دور المؤسسات الدينية والتعليمية في نقل المعرفة وصيانة الموروث الفكري. ويقدّم المكانان معًا أكثر من جدران وأشكال معمارية وأشياء قديمة؛ إنهما يحملان حكايات، ويحفظان آثار ممارسات، ويشهدان على طرائق في السكن والتعلّم وفهم العالم.

فالتراث ليس ماضيًا نحتفظ به على مسافة منا، ولا مجموعة من المباني التي نزورها ثم نغادرها. إنه ذاكرة نواصل مساءلتها ومشاركتها ونقلها، ومورد ثقافي يمكن أن يساعدنا على فهم الحاضر والتفكير في المستقبل.

وفي هذا السياق، يلتقي التراث الجربي برسالة مهرجان « قطوف »، الذي يسعى إلى فتح المجال أمام أصوات الجنوب وسردياته، وإلى إقامة حوار بين الأدب والتاريخ والذاكرة والتجارب الإنسانية المتنوعة. فكما تمنح الكتابة الشعوب فرصة لرواية تاريخها بأصواتها الخاصة، تتيح العناية بالتراث للمجتمعات المحلية استعادة المعاني التي صنعت أمكنتها، وتثبيت حضورها في السردية التاريخية والثقافية الأوسع.

وفي دورة ترفع شعار « الأدب والتحرّر »، تبدو زيارة منزل الباروني وجامع الباسي أكثر من محطة في برنامج ثقافي؛ إنها دعوة إلى إعادة اكتشاف ما تختزنه الأمكنة من ذاكرة، وإلى الإصغاء إلى الحكايات التي لم تُروَ بعد، وإلى ربط المعرفة التاريخية بحرية السرد والإبداع.

في والغ، لا تزال هذه الذاكرة تنتظر أن تُروى كاملة، وأن تُستكمل حكاياتها بالبحث والتوثيق والإصغاء إلى أهل المكان. وفي « قطوف »، تجد هذه الذاكرة دعوة إلى الانخراط في حوار أوسع حول سرديات الجنوب، وحول حق المجتمعات في التعبير عن تجاربها وتاريخها ومخيّلتها.

فالأرض، قبل أن تكون وجهةً أو صورةً متداولة، هي حكاية إنسانية تختزن تجارب أهلها وذاكرتهم وتطلّعاتهم. وكلّ حكاية نصغي إليها بتمعّن تفتح أمامنا آفاقًا أرحب لفهم العالم، وتكشف لنا عن ثراء التجارب الإنسانية وتعدّد الرؤى والثقافات. فالذاكرة ليست عبئًا نحمله من الماضي، بل رصيدًا حيًّا نستمدّ منه الوعي بالحاضر، ونستشرف به ملامح المستقبل.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى