أخبارتونسثقافةفنون

صابر الوسلاتي يراهن على السخرية في «بابا نويل» ضمن الدورة 43 لمهرجان بنزرت

تتواصل فعاليات الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان بنزرت الدولي بعروض متنوعة تجمع بين الموسيقى والمسرح والفنون الركحية، في برمجة تسعى إلى استقطاب مختلف الأذواق وإبراز ثراء المشهد الثقافي التونسي. ومن بين أبرز المواعيد المسرحية لهذه الدورة، يلتقي الجمهور مع مسرحية “بابا نويل” للمسرحي  والكاتب التونسي صابر الوسلاتي، وهي تجربة فنية جديدة تواصل مسيرة أحد أبرز الأسماء التي اختارت أن تجعل من المسرح فضاءً لطرح الأسئلة وكشف التناقضات الاجتماعية بأسلوب يجمع بين السخرية والدراما.

ولا يقتصر عنوان المسرحية على استحضار شخصية “بابا نويل” المرتبطة في المخيال الجماعي بالأعياد والهدايا والبهجة، بل يحوّلها إلى رمز مسرحي متعدد الدلالات، يفتح الباب أمام قراءة نقدية للواقع، ويضع المتلقي أمام مفارقات الحياة اليومية وما تحمله من آمال وخيبات وانتظارات مؤجلة. فمنذ اللحظات الأولى، يكتشف المشاهد أنه أمام عمل لا يراهن على الحكاية التقليدية بقدر ما يسعى إلى بناء خطاب مسرحي يدفع إلى التفكير في التحولات التي يعيشها الإنسان المعاصر.

ويعرف صابر الوسلاتي بأسلوبه المسرحي الذي يمزج بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي، مع اعتماد لغة قريبة من الجمهور دون التفريط في العمق الفكري. لذلك تبدو “بابا نويل” امتدادًا لهذا المسار، حيث تتحول الشخصيات إلى مرايا تعكس واقعًا مليئًا بالتناقضات، وتطرح أسئلة تتعلق بالقيم، والعلاقات الإنسانية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.

ويعتمد العرض على السخرية بوصفها أداة فنية، لا بهدف الإضحاك فقط، وإنما لتفكيك الواقع وإعادة تقديمه بصورة تكشف ما يخفيه من مفارقات. فالمواقف الكوميدية تنبع من تفاصيل الحياة البسيطة، لكنها سرعان ما تتحول إلى لحظات تأمل تدعو الجمهور إلى مراجعة كثير من المسلمات، وهو ما يمنح العمل بعدًا فكريًا يتجاوز حدود الترفيه.

ومن الناحية الإخراجية، يواصل الوسلاتي اهتمامه بالصورة المسرحية، من خلال توظيف الإضاءة والسينوغرافيا وحركة الممثلين في خدمة الفكرة الأساسية للعمل. فلا تبدو العناصر البصرية مجرد مكمل للعرض، بل تتحول إلى جزء من السرد المسرحي، بما يمنح المشاهد تجربة متكاملة تجمع بين البعد الجمالي والرسالة الفكرية.

كما يمنح الأداء التمثيلي للمسرحية حضورًا خاصًا، إذ يعتمد على إيقاع متوازن يجمع بين اللحظات الكوميدية والمشاهد ذات الشحنة الدرامية، وهو ما يحافظ على تفاعل الجمهور طوال العرض. وتساهم الحوارات في بناء هذا الإيقاع، من خلال لغة بسيطة لكنها محملة بالإيحاءات والرموز، تسمح لكل متفرج بأن يجد زاوية خاصة لقراءة العمل.

 

ويكتسب عرض “بابا نويل” أهمية إضافية من خلال تقديمه ضمن مهرجان بنزرت الدولي، الذي يعد أحد أعرق المهرجانات الصيفية في تونس، وحرصه في دورته الثالثة والأربعين على تخصيص مساحة للمسرح إلى جانب العروض الموسيقية. ويعكس هذا التوجه إيمان إدارة المهرجان بدور الفن الرابع في إثراء المشهد الثقافي، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور لاكتشاف تجارب مسرحية تونسية معاصرة.

 

ولا يمثل حضور المسرحية ضمن برمجة المهرجان مجرد مشاركة في تظاهرة ثقافية، بل يؤكد المكانة التي بات يحتلها المسرح التونسي في السنوات الأخيرة، بفضل أعمال راهنت على الجودة الفنية والطرح الجريء، واستطاعت أن تلامس قضايا المجتمع بعيدًا عن المباشرة والخطاب الوعظي. فقد أصبح المسرح التونسي أكثر انفتاحًا على التجريب، وأكثر قدرة على الجمع بين البعد الفكري ومتطلبات الفرجة، وهو ما جعل أعمالًا عديدة تحظى بمتابعة جماهيرية ونقدية داخل تونس وخارجها.

وتأتي “بابا نويل” في هذا السياق، إذ تطرح قضايا الإنسان المعاصر من خلال رؤية فنية تتجنب الأحكام الجاهزة، وتترك للجمهور مساحة واسعة للتأويل. فالعرض لا يقدم إجابات بقدر ما يثير أسئلة حول الواقع، ويمنح المتلقي فرصة للتفكير في ما يحيط به من تحولات، مستفيدًا من قدرة المسرح على الجمع بين المتعة البصرية والتأمل الفكري.

وتراهن الدورة الثالثة والأربعون لمهرجان بنزرت الدولي على تنوع عروضها لإرضاء مختلف الأذواق، حيث تجمع بين الإنتاجات التونسية والعروض العربية والدولية، في إطار رؤية تجعل من المهرجان فضاءً للحوار بين الفنون والثقافات. ويأتي عرض “بابا نويل” ليؤكد هذا التوجه، باعتباره عملًا يعكس حيوية المسرح التونسي وقدرته على مواكبة قضايا المجتمع بلغة فنية معاصرة.

وفي المحصلة، تمثل مسرحية “بابا نويل” موعدًا مسرحيًا ينتظره عشاق الفن الرابع، ليس فقط لما يحمله اسم صابر الوسلاتي من حضور في الساحة المسرحية، وإنما أيضًا لما يعد به العمل من تجربة تجمع بين السخرية والعمق، وبين الإبداع الفني والطرح الإنساني. وهي فرصة لجمهور مهرجان بنزرت الدولي لاكتشاف عرض يراهن على قوة المسرح في إثارة التفكير، ويؤكد أن الخشبة ما تزال قادرة على أن تكون مرآة صادقة للمجتمع، ومنبرًا مفتوحًا للنقاش والإبداع.

ذكرى بونقيشة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى