ثقافة

«روحانيات» تختتم دورتها التاسعة: حين تحتفي نفطة بذاكرة الجريد وتجمع بين عبق التاريخ وسحر الإنشاد الصوفي

في يومها الثالث والأخير، واصلت الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للموسيقى الصوفية والروحية «روحانيات» بنفطة، يوم السبت 31 أكتوبر 2026، الجمع بين البحث الأكاديمي والتعبير الفني والاحتفاء بالموروث المحلي، ضمن برنامج امتد من المحاضرات العلمية والفكرية إلى ورشات رسم قباب نفطة، مروراً بالعروض الفنية والإنشادية، وصولاً إلى فضاء المقامات والأولياء الصالحين. ولم يكن هذا التنوع مجرد تعدد في الفقرات، بل عكس تصوراً ثقافياً يجعل من التراث منظومة متكاملة تتداخل فيها المعرفة والتاريخ والفنون والذاكرة الجماعية.

ولم تكن المحطة الختامية من هذه الدورة مجرد استكمال لبرنامج فني امتد على ثلاثة أيام، بل شكلت مناسبة لتكثيف الرهانات التي رافقت التظاهرة منذ انطلاقتها، وفي مقدمتها صون الذاكرة المحلية، وتحويل التراث من رصيد تاريخي إلى ممارسة ثقافية حية، فضلاً عن إعادة الاعتبار إلى المدن الداخلية باعتبارها فضاءات لإنتاج المعرفة والفن، لا مجرد حاضنة لموروث يُستدعى في المناسبات.

المحاضرات العلمية… قراءة في تاريخ الجريد وتحولاته

واصلت التظاهرة صباح السبت لقاءاتها العلمية والفكرية، في تأكيد على أن البعد المعرفي لم يكن فقرة موازية للعروض الفنية، بل أحد المكونات الأساسية لهوية المهرجان.

ومن بين المداخلات التي أثثت هذا اليوم، برزت محاضرة الأستاذ والمحاضر في التاريخ الثقافي بجامعة تونس، لطفي عيسى، بعنوان: «ثلاثة أقطاب للتعافي من الزحف الهلالي: الهدوي، والدهماني، والنفطي».

واندرجت هذه المداخلة ضمن مقاربة تاريخية تسعى إلى قراءة التحولات التي شهدها المجال الجريدي في سياق الزحف الهلالي، وما ارتبط به من تحولات ديمغرافية واجتماعية وثقافية، فضلاً عن البحث في الأدوار التي اضطلعت بها بعض المراكز والحواضر في إعادة تشكيل التوازنات المحلية.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من كونها تضع نفطة ضمن مجال تاريخي أوسع، فلا تتعامل معها باعتبارها فضاءً معزولاً، بل باعتبارها إحدى الحواضر التي أسهمت في تشكيل تاريخ الجريد وذاكرته. كما تفتح المجال أمام مساءلة العلاقة بين الجغرافيا والتاريخ، وبين التحولات السكانية واستمرار الخصوصيات الثقافية المحلية.

ولا تقتصر أهمية هذه المداخلة على استعادة مرحلة من التاريخ المحلي، بل تكمن أيضاً في إعادة فتح النقاش حول قدرة المجتمعات على استيعاب التحولات والمحافظة على تماسكها وهويتها. فالتاريخ الثقافي لا يُقرأ باعتباره سلسلة من الوقائع المنفصلة، وإنما باعتباره مساراً تتفاعل فيه القوى الاجتماعية والمجالات الجغرافية والمرجعيات الحضارية، وتتراكم من خلاله ملامح الشخصية الثقافية للجهات.

ومن هذا المنطلق، منح حضور التاريخ الثقافي ضمن برنامج «روحانيات» فرصة للانتقال من الاحتفاء بالموروث إلى مساءلة سياقاته، ومن استحضار الذاكرة إلى فهم التحولات التي صنعتها. وهو ما يعزز قيمة المهرجان باعتباره فضاءً يلتقي فيه الفن بالمعرفة، وتتحول فيه الخصوصية المحلية إلى موضوع للبحث والتفكير.

ورشات رسم قباب نفطة… حين تتحول العمارة إلى ذاكرة بصرية

وكان الموعد فيما بعد مع ورشات رسم قباب نفطة، في مبادرة أعادت الاهتمام بأحد أبرز المكونات المعمارية والرمزية للمدينة.

فالقباب في نفطة ليست مجرد عناصر معمارية تزين المشهد العمراني، بل تحمل دلالات تاريخية وروحية وجمالية، وترتبط بذاكرة المكان وبحضور الزوايا والمقامات والأولياء الصالحين في الوجدان الجماعي.

ومن خلال الرسم، تحولت هذه العناصر إلى موضوع للتأمل والتعبير الفني، بما يتيح إعادة اكتشاف تفاصيل معمارية قد يمر بها الزائر دون أن ينتبه إلى ما تختزنه من معانٍ ورموز.

وتتجاوز أهمية هذه الورشات بعدها الفني والتعليمي، لأنها تفتح أمام الأجيال الجديدة إمكانية الاقتراب من تراث مدينتهم عبر الممارسة والإبداع، وتؤكد أن المحافظة على الذاكرة لا تتحقق بالتوثيق وحده، بل أيضاً بإعادة إنتاجها في أشكال فنية معاصرة.

إنها محاولة لجعل التراث مرئياً ومتاحاً للتفاعل، وتحويل العمارة المحلية من مجرد شاهد على الماضي إلى مصدر إلهام للإبداع الحاضر.

«ملحمة سلطان الجريد»… استحضار التاريخ بلغة الفن

ثم كان الجمهور على موعد مع عرض «ملحمة سلطان الجريد»، قبالة نزل كرفان سبراري، في محطة حملت عنواناً يستحضر عمق الانتماء إلى المجال الجريدي وما يختزنه من ذاكرة تاريخية وثقافية.

وتكتسب مثل هذه الأعمال أهمية خاصة في سياق مهرجان يسعى إلى تقديم التراث في صوره المتعددة، إذ تمنح الفن إمكانية الاقتراب من التاريخ عبر التعبير الإبداعي، وتحويل الذاكرة من مادة محفوظة في الكتب والروايات الشفوية إلى تجربة قابلة للمشاهدة والتفاعل.

فالملحمة، بما يحمله هذا الجنس الفني من قدرة على استحضار الشخصيات والأحداث والرموز، تفتح مجالاً لإعادة قراءة العلاقة بين الإنسان وأرضه، وبين الذاكرة الجماعية والهوية المحلية.

كما أن إدراج هذا العرض ضمن البرنامج يبرز حرص المهرجان على عدم حصر التراث في الموسيقى الصوفية والإنشاد، بل توسيع دائرة التعبير لتشمل مختلف الأشكال الفنية القادرة على استحضار تاريخ الجريد وخصوصيته.

فرقة البهاء الجزائرية… حين تتجاوز الروحانية الحدود

ومع حلول المساء، انتقلت الأجواء إلى الإنشاد الصوفي، من خلال عرض فرقة البهاء الجزائرية.

وقد منح حضور هذه الفرقة البرنامج بعداً مغاربياً يتجاوز الإطار المحلي، ويؤكد أن الموسيقى الروحية تمثل إحدى المساحات التي تلتقي فيها التجارب الثقافية، رغم اختلاف البيئات والتقاليد الفنية.

فالإنشاد الصوفي لا يستمد قيمته من جمال الصوت والإيقاع فحسب، بل من قدرته على خلق حالة وجدانية مشتركة، تتقاطع فيها معاني المحبة والتأمل والتضرع والارتقاء الروحي.

ومن هنا، فإن مشاركة فرقة جزائرية في مهرجان «روحانيات» لا تمثل مجرد استضافة فنية عابرة، بل تعكس إمكانية بناء جسور ثقافية بين التجارب الصوفية المغاربية، وتبادل التعبيرات الموسيقية والإنشادية التي راكمتها هذه البيئات عبر التاريخ.

إنها صورة من صور التواصل الثقافي الذي يجعل من الموسيقى لغة مشتركة، قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية، واستحضار الروابط التاريخية والوجدانية بين الشعوب.

«وجد» لفرقة أهل العادة ببوسومة… عودة إلى التعبير الصوفي المحلي

وفي السهرة، كان الموعد مع عرض «وجد» لفرقة أهل العادة ببوسومة، في محطة أعادت التركيز على التعبيرات الصوفية المحلية وما تختزنه من خصوصية فنية وروحية.

وقد قدمت الفرقة أداءً استحضر أجواء الإنشاد الصوفي، من خلال تفاعل الأصوات والإيقاعات، في تجربة فنية استندت إلى الذاكرة الإنشادية المحلية وما تراكم فيها من تقاليد وممارسات متوارثة. وتجلت خصوصية العرض في طابعه الجماعي، حيث تداخل الأداء الصوتي مع الإيقاع، ليمنح الجمهور مساحة للتفاعل مع أجواء السماع والذكر، ويستحضر جانباً من الموروث الروحي الذي ما زال حاضراً في الوجدان المحلي.

ويحمل عنوان «وجد» دلالة عميقة في السياق الصوفي، إذ يرتبط بالحالة الوجدانية التي يبلغها المتصوف من خلال الذكر والسماع والإنشاد، حيث يتجاوز الصوت حدود الأداء الفني ليصبح وسيلة للتعبير عن تجربة داخلية عميقة.

وفي سياق المهرجان، يكتسب هذا الاختيار دلالة إضافية، لأنه يضع التجربة المحلية في قلب البرنامج، إلى جانب المشاركات الوطنية والدولية، ويؤكد أن الانفتاح على التجارب الأخرى لا يعني إهمال التعبيرات المتجذرة في البيئة المحلية.

فالمراهنة على الفرق المحلية تمثل أحد شروط استمرارية الموروث، باعتبار أن التراث لا يعيش من خلال استدعائه في المناسبات وحدها، وإنما من خلال الجماعات التي تحمله وتحافظ على ممارساته وتنقله بين الأجيال.

مقام سيدي حسن عياد… ختام يعود إلى الجذور

ومع انتصاف الليل، انتقلت فعاليات المهرجان إلى مقام الولي الصالح سيدي حسن عياد بشط الجريد، حيث تواصلت الأجواء الروحية بمشاركة فرق محلية.

وكان اختيار هذا الفضاء امتداداً طبيعياً لفلسفة «روحانيات»، التي لا تفصل الموسيقى الصوفية عن محيطها التاريخي والاجتماعي، ولا تتعامل مع المقامات والأولياء باعتبارهم مجرد عناصر في المشهد التراثي، بل بوصفهم جزءاً من الذاكرة الروحية التي تشكلت حولها ممارسات جماعية وتقاليد إنشادية متوارثة.

فهنا، تكتسب الموسيقى معناها من المكان، ويصبح الإنشاد امتداداً لذاكرة جماعية تتناقلها الأجيال، فيما تتحول المشاركة في هذه الأجواء إلى شكل من أشكال التواصل مع الموروث المحلي.

كما أن إسناد جانب من البرنامج إلى الفرق المحلية يعكس أهمية تثمين الطاقات الفنية التي تنتمي إلى المنطقة، ومنحها فضاءات أوسع للتعبير والتعريف بخصوصياتها.

«روحانيات»… من الاحتفاء بالموروث إلى بناء مشروع ثقافي

تكشف المحطة الختامية من الدورة التاسعة أن الرهان الحقيقي لمهرجان «روحانيات» لا يقتصر على تنظيم عروض موسيقية وإنشادية، مهما بلغت قيمتها الفنية، بل يتصل بقدرته على بناء علاقة متجددة بين الإنسان وتراثه.

فمن المحاضرة التاريخية التي أعادت قراءة تحولات الجريد، إلى ورشات رسم القباب، مروراً بملحمة سلطان الجريد والإنشاد الصوفي الجزائري، ثم عرض «وجد» واللقاء الليلي بمقام سيدي حسن عياد، رسم البرنامج مساراً تتداخل فيه المعرفة بالفن، والتاريخ بالذاكرة، والتعبير المحلي بالانفتاح المغاربي.

وهذا التنوع يطرح في الوقت نفسه مسؤولية تتجاوز حدود المهرجان: كيف يمكن تحويل هذه المبادرات إلى عمل ثقافي مستمر؟ وكيف يمكن ضمان انتقال المعارف والحرف والتقاليد الروحية إلى الأجيال الجديدة؟ وكيف تصبح نفطة فضاءً دائماً للبحث والإبداع والتبادل الثقافي؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي ألا يظل التراث رهين المناسبات والمواعيد الموسمية، بل أن يتحول إلى مشروع متكامل يستند إلى التوثيق والبحث والتكوين، ويمنح الشباب دوراً أساسياً في إعادة اكتشافه وتطوير أشكال التعبير عنه.

نفطة… حين تصبح الذاكرة جسراً نحو المستقبل

في نهاية ثلاثة أيام من الموسيقى والبحث والإنشاد والاحتفاء بالذاكرة، أكدت الدورة التاسعة من «روحانيات» أن التراث الصوفي والجريدي ليس مجرد إرث ينتمي إلى الماضي، بل رصيد ثقافي وإنساني قادر على إنتاج معانٍ جديدة ومخاطبة الحاضر.

لقد قدمت نفطة، عبر هذه التظاهرة، صورة عن مدينة لا تختزل هويتها في جغرافيتها الواحية أو معالمها التاريخية، بل تستمد خصوصيتها أيضاً من مخزونها الروحي والفني، ومن قدرتها على تحويل هذا المخزون إلى فضاء للحوار والإبداع.

ولعل القيمة الأعمق لهذه الدورة تكمن في أنها أعادت طرح سؤال الذاكرة من زاوية مختلفة: ليس كيف نحافظ على ما ورثناه فحسب، بل كيف نجعله حياً وقادراً على الاستمرار والتجدد؟

فالموسيقى التي تنبع من الذاكرة لا ينبغي أن تبقى أسيرة الماضي، والقباب التي تختزن تاريخ المدينة لا ينبغي أن تظل مجرد معالم صامتة، كما أن المعرفة التي تستحضر تاريخ الجريد ينبغي أن تتحول إلى وعي يعزز الانتماء ويفتح آفاق المستقبل.

وهكذا، لم تكن «روحانيات» مجرد موعد فني عابر في روزنامة المهرجانات التونسية، بل كانت محاولة لإعادة وصل الإنسان بمكانه، والفن بجذوره، والذاكرة بأسئلة الحاضر. ومن نفطة، حيث تتجاور الواحات والمقامات والأصوات الصوفية، تتجدد الرسالة الأعمق للموسيقى الروحية: أن الفن، حين يصالح الإنسان مع ذاكرته، يصبح لغة للارتقاء وجسراً للتواصل ونافذة مفتوحة على المستقبل.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى