ثقافةفنون

بالصور: الفنانة اللبنانية نجوى كرم تشعل مهرجان قرطاج

في سهرةٍ نسجت خيوطها من الحنين والوفاء وذكريات تراكمت على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، عادت الفنانة اللبنانية نجوى كرم إلى ركح المسرح الأثري بقرطاج، مساء السبت 9 أوت 2025، لتجدد موعدها مع جمهور طالما شكّل أحد أبرز شهود مسيرتها الفنية، وذلك ضمن فعاليات الدورة التاسعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي، بعد غياب دام تسع سنوات.

بفستان ذهبي استوحى تفاصيله من وهج التاريخ وألوان الشمس، أطلّت “شمس الأغنية اللبنانية” على ركح قرطاج وسط استقبال حار من آلاف المتفرجين الذين غصّت بهم المدارج في حفل أُقيم أمام شبابيك مغلقة. وقبل أن تظهر على المسرح، كانت إيقاعات الدبكة اللبنانية قد سبقتها إلى الجمهور، فحرّكت الوجدان وأشعلت أجواء الاحتفال منذ اللحظات الأولى.

ولم يكن افتتاح السهرة تقليدياً، إذ استُهلّ العرض بشريط بصري يوثّق إعلان مشاركتها في الدورة التاسعة والخمسين، احتفت فيه بمدينة قرطاج وتاريخها العريق، قبل أن تعلو كلمات أغنية “عزّك دايم يا قرطاج” في تحية حملت الكثير من المحبة والوفاء لهذا المسرح الذي احتضن أبرز محطات مسيرتها. ثم خاطبت جمهورها بكلمات امتزج فيها الشوق بالامتنان قائلة: “أجمل ما يبقى في العمر هو الذكريات… فلنصنع الليلة ذكريات أجمل.”

ومنذ إطلالتها الأولى، بدا واضحاً أن السهرة لم تكن مجرد حفل غنائي، بل لقاء وجداني استعاد علاقة استثنائية جمعت نجوى كرم بجمهور قرطاج منذ أول ظهور لها على هذا الركح سنة 1992. علاقة تعمّقت عبر مشاركات متتالية في دورات 1997 و1998 و2004 و2008 و2012 و2016، قبل أن تتجدد هذا العام، مؤكدة مكانتها كواحدة من أكثر الفنانات العربيات حضوراً في ذاكرة المهرجان.

وعلى امتداد أكثر من ساعتين، تنقلت نجوى كرم بسلاسة بين الأغنية الجبلية اللبنانية والطرب والمواويل والدبكة، مقدّمة عرضاً متكاملاً جمع بين الأصالة والتجديد. واستحضرت الذاكرة السمعية لجمهورها عبر أعمال شكّلت علامات بارزة في مسيرتها، من بينها “هيدا حكي” و”عاشقة” و “إيّا أنا بدك” و “خلّيني شوفك بالليل” و “بالروح بالدم”، إلى جانب مختارات من المواويل التي أبرزت خامة صوتها الجبلية وقدرتها على التنقل بين المقامات الشرقية بثبات واقتدار.

كما قدّمت عدداً من أغنيات ألبومها الجديد “حالة طوارئ”، في تأكيد على حرصها على المزج بين رصيدها الفني الراسخ وإنتاجها الحديث، دون أن تفقد هويتها الموسيقية التي صنعت نجاحها على امتداد سنوات طويلة.

وشهد العرض توازناً فنياً لافتاً بين الإيقاعات الشعبية اللبنانية والنغمات الشرقية العميقة، وبين التوزيعات الموسيقية الحديثة والروح التراثية، بما عكس قدرة نجوى كرم على تطوير تجربتها الفنية مع الحفاظ على خصوصيتها الصوتية والأسلوبية، واستقطاب أجيال مختلفة من الجمهور، من عشاق الطرب الكلاسيكي إلى محبي الأغنية العربية المعاصرة.

ولم يكن الجمهور مجرد متلقٍّ، بل تحوّل إلى شريك حقيقي في صناعة المشهد؛ غنّى وردّد الكلمات وصفّق ورقص طوال السهرة، حتى بدا وكأنه كورال جماعي يسبق الفنانة أحياناً في أداء مقاطع من أغانيها، في صورة عكست عمق العلاقة العاطفية التي تربطها بجمهورها التونسي.

وساهمت الفرقة الموسيقية المرافقة في إثراء العرض، من خلال توزيع حيّ مزج بين البزق والقانون والعود والكمان والطبلة وسائر الآلات الشرقية، في انسجام مع تصميم إضاءة أنيق منح الركح بعداً بصرياً مكمّلاً للحالة الموسيقية، بينما أضفى حضور نجوى الواثق وحركتها المتناغمة مع فضاء المسرح الأثري مزيداً من الحيوية على مختلف فقرات السهرة.

وعلى ركح عرف بداياتها العربية الكبرى، بدت عودة نجوى كرم إلى قرطاج أكثر من مجرد مشاركة جديدة في مهرجان عريق؛ كانت احتفاءً بذاكرة مشتركة صنعتها الأغنية، وتجديداً لعهد فني ظلّ قائماً رغم سنوات الغياب. وقد أكدت هذه السهرة، بما شهدته من حضور جماهيري كثيف وتفاعل استثنائي، أن نجوى كرم ما تزال تحتفظ بمكانتها كإحدى أبرز الأصوات العربية، وأن “شمس الأغنية اللبنانية” لا تزال قادرة على الإشراق فوق سماء قرطاج، كما فعلت على امتداد أكثر من ثلاثين عاماً.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى