
اختتمت الوكالة التونسية للتقييم والاعتماد في التعليم العالي والبحث العلمي (ATEA)، يومي 16 و17 جويلية 2026 بالعاصمة تونس، سلسلة ورشات العمل المخصصة لتحديث الأطر المرجعية الوطنية لتقييم أنشطة وهياكل البحث العلمي، في خطوة تهدف إلى تطوير منظومة التقييم وتعزيز ارتباط البحث العلمي بالأولويات التنموية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
وتندرج هذه الورشة الختامية ضمن برنامج دعم مؤسساتي ممول من سفارة فرنسا بتونس، بالتنسيق مع المعهد الفرنسي، وقد خُصصت لاستكمال البناء التشاركي للمعايير الوطنية المستقبلية لتقييم البحث العلمي، وتوسيع دائرة التشاور لتشمل مختلف مكونات منظومة الابتكار والإنتاج.
وشهدت أشغال الورشة مشاركة أكثر من 50 خبيرًا ومسؤولًا وممثلًا عن مؤسسات جامعية وبحثية وهياكل داعمة للابتكار، إلى جانب فاعلين اقتصاديين وممثلين عن الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ومنظمة «كونكت»، فضلًا عن خبراء في مجال المؤسسات الناشئة وريادة الأعمال ومكونات المجتمع المدني.
من تقييم الإنتاج العلمي إلى قياس أثره في المجتمع
مثّلت هذه المحطة امتدادًا للورشة الأولى التي تناولت الجوانب الأكاديمية والبيبليومترية لتقييم البحث العلمي، غير أن النقاشات هذه المرة ركزت على مدى قدرة المعايير الجديدة على قياس الأثر الفعلي للبحوث في محيطها الاقتصادي والاجتماعي، ومدى مساهمتها في دعم السياسات العمومية وتحقيق التنمية المستدامة.
ويعكس هذا التوجه سعيًا إلى تجاوز المقاربات التقليدية التي تركز أساسًا على الإنتاج العلمي ومؤشرات النشر، نحو اعتماد رؤية أشمل تأخذ بعين الاعتبار قيمة البحث العلمي في معالجة التحديات الوطنية، ودعم الابتكار، وتعزيز العلاقة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
خبرات دولية لتطوير منظومة التقييم
وفي هذا السياق، استعرضت البروفيسورة ماريلينا مانياتشي (Marilena Maniaci)، الخبيرة الدولية في حوكمة وضمان جودة التعليم العالي والعضو السابق في مجلس إدارة الوكالة الوطنية الإيطالية لتقييم الجامعات ومعاهد البحوث (ANVUR) والجمعية الأوروبية لضمان الجودة (ENQA)، الأبعاد الدولية للمشروع الوطني.
وأوضحت أن فريق الخبراء التونسيين والدوليين اعتمد مقاربة المقارنة المرجعية الدولية، من خلال الاستفادة من التجارب والممارسات المعتمدة في الفضاء الأوروبي وعلى المستوى العالمي، مع تكييفها وفق خصوصيات منظومة البحث العلمي التونسية واحتياجاتها.
وأكدت أن الهدف لا يقتصر على إرساء آليات رقابية أو إدارية لقياس الجودة، بل يتجاوز ذلك إلى اعتماد مقاربة تحسينية مستمرة تساعد هياكل البحث على تحديد نقاط قوتها، وتطوير أدائها، وتعزيز تنافسيتها العلمية، بما يدعم إشعاع البحث التونسي وقدرته على اكتساب اعتراف دولي أوسع.
مأسسة البحث العلمي وتجاوز العوائق الهيكلية
من جهته، قدم الباحث والمختص في الشؤون الاقتصادية بمعهد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بتونس، علي عبد الله، قراءة تحليلية للتحديات التي تواجه الباحثين ومؤسسات البحث في تونس.
وشدد على ضرورة ألا تتحول الأطر المرجعية الجديدة إلى عبء إداري إضافي، بل أن تكون أداة عملية ومرنة لتسهيل التواصل بين الباحثين وسلطة الإشراف ومراكز القرار، والمساهمة في تحسين ظروف العمل العلمي.
كما دعا إلى وضع رؤية حكومية متكاملة ومستدامة لمأسسة البحث العلمي وربطه بالخيارات التنموية للدولة، من خلال تطوير آليات التمويل والتحفيز والأطر التشريعية المنظمة للقطاع.
وأكد أهمية مراعاة خصوصية المجالات العلمية عند إعداد المعايير، والتمييز بين متطلبات البحث التكنولوجي والتطبيقي المرتبط بالصناعة، وطبيعة البحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي تختلف من حيث مناهجها ومخرجاتها وأشكال تأثيرها.
وتطرقت مداخلته كذلك إلى الصعوبات المادية واللوجستية التي تواجه المختبرات، ولا سيما ما يتعلق بالحصول على التمويلات والمعدات العلمية بالعملة الأجنبية والمشاركة في المؤتمرات الدولية.
كما شدد على أهمية تطوير النصوص القانونية المنظمة للشراكة بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية، بما يعزز نقل التكنولوجيا، ويدعم الابتكار، ويفتح آفاقًا أوسع لاستثمار نتائج البحوث في الدورة الاقتصادية.
نحو استقلالية أكبر وشفافية في التقييم
وفي قراءة لمسار الإصلاح المؤسساتي، أكد الأستاذ الدكتور عبد اللطيف بودبوس، الرئيس السابق للجنة الوطنية لتقييم أنشطة البحث العلمي (CNEAR)، أن الورشات التشاركية تمثل محطة مهمة في تطوير منظومة تقييم البحث العلمي وتحديثها وفق المعايير الدولية المعاصرة.
وأوضح أن الأطر المرجعية الجاري إعدادها تشمل مختلف مستويات منظومة البحث، من المختبرات ووحدات ومراكز البحث إلى المؤسسات الجامعية ومدارس الدكتوراه، بالاعتماد على مؤشرات كمية ونوعية، من بينها المنشورات العلمية ذات الأثر، وبراءات الاختراع، والشراكات الوطنية والدولية.
كما أبرز أهمية إحداث الوكالة التونسية للتقييم والاعتماد في تعزيز استقلالية منظومة التقييم وحيادها العلمي، مقارنة بالصيغة المؤسساتية السابقة، معتبرًا أن هذا التحول من شأنه دعم الشفافية وترسيخ ثقافة الجودة داخل المؤسسات الجامعية والبحثية.
ويُنتظر أن تسهم المعايير الجديدة، وفق التوجهات المطروحة خلال الورشة، في توضيح منهجيات التقييم ومؤشراته، ومساعدة المؤسسات البحثية على فهم متطلبات الجودة والعمل على تحسين أدائها بصورة مستمرة.
إصلاح منظومة البحث وربطها بأولويات التنمية
ويؤشر اختتام هذه السلسلة من الورشات إلى مرحلة جديدة في مسار تطوير تقييم البحث العلمي في تونس، تقوم على توسيع دائرة المشاركة، والاستفادة من الخبرات الدولية، ومراعاة خصوصيات المجالات العلمية المختلفة.
كما يطرح هذا المسار تحديًا أساسيًا يتمثل في تحويل الأطر المرجعية الجديدة إلى أدوات عملية قابلة للتطبيق، قادرة على تحسين أداء المؤسسات البحثية، وتعزيز التكامل بين الجامعة والاقتصاد، وتثمين النتائج العلمية، بما يجعل البحث العلمي عنصرًا فاعلًا في الابتكار والتنمية المستدامة.




