
في واحدة من أكثر سهرات الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان بنزرت الدولي تميزًا، خطفت الفنانة التونسية نجلاء الأضواء من خلال عرضها الفني “الزردة”، مقدمةً للجمهور تجربة جمعت بين الموسيقى والفرجة واستحضار الموروث الشعبي التونسي في قالب فني معاصر.

ومنذ اعتلائها ركح مسرح الهواء الطلق، نجحت نجلاء في خلق حالة من الانسجام مع الجمهور، الذي تفاعل مع مختلف فقرات العرض بالتصفيق والغناء، لتتحول السهرة إلى احتفال جماعي بالموسيقى والهوية التونسية، في مشهد عكس المكانة التي تحظى بها الفنانة لدى جمهورها.

ولم يكن “الزردة” مجرد عرض غنائي تقليدي، بل جاء كعمل فني متكامل راهن على السينوغرافيا والإخراج البصري واللوحات الراقصة،مستلهما تفاصيله من الذاكرة الشعبية التونسية، حيث امتزجت الإيقاعات التراثية بالأداء المسرحي في مشاهد حملت الكثير من الرمزية والجمال.

وتنقلت نجلاء بين محطات موسيقية متنوعة، مزجت فيها بين الأغنية الشعبية والأعمال التي صنعت نجاحها، محافظة على نسق تصاعدي أبقى الجمهور في حالة تفاعل متواصل، فيما أضفت الفرقة الموسيقية والاستعراضات الراقصة بعدًا فرجويًا عزز من قيمة العرض.

وأثبتت الفنانة، من خلال هذا العمل، أن التراث ليس مادة جامدة تستعاد في المناسبات، بل فضاء مفتوح للإبداع والتجديد، متى قُدم برؤية فنية تحترم أصالته وتمنحه في الآن ذاته روحًا عصرية قادرة على مخاطبة مختلف الأجيال.

ومع إسدال الستار على السهرة، بدا واضحًا أن “الزردة” لم يكن مجرد محطة ضمن برمجة مهرجان بنزرت الدولي، بل أحد العروض التي ستظل راسخة في ذاكرة الدورة الثالثة والأربعين، لما حمله من احتفاء صادق بالموروث التونسي، ولما نجح في تحقيقه من توازن بين الأصالة والحداثة، في أمسية أكدت أن الفن قادر على إعادة إحياء الذاكرة الجماعية بلغة معاصرة دون أن يفقد هويته.




