أدبثقافة

«قطوف 2026»: من جربة يولد حوار الجنوب… وتُفتح آفاق التحرّر

في دورته الثانية، يلتقي مهرجان « قطوف – مهرجان آداب الجنوب » يومي 15 و16 أكتوبر 2026 بجزيرة جربة التونسية، تحت شعار « الأدب والتحرّر »، ليعيد طرح أسئلة الهوية والذاكرة والاستقلال واللغة، ويفتح فضاءً تتقاطع فيه تجارب المغرب العربي والمشرق وإفريقيا جنوب الصحراء، بعيدًا عن مركزية العواصم التقليدية. ومن خلال اللقاءات الفكرية والقراءات الشعرية والورشات والعروض السينمائية والفنية، يقترح المهرجان أن يكون الأدب أكثر من ممارسة جمالية: مساحةً لإعادة التفكير في الذات والعالم، واستعادة الحق في الحكاية، وصياغة أسئلة الجنوب من داخل الجنوب نفسه.

جربة تكتب من جديد : من جغرافيا المكان إلى جغرافيا الفكر

في يومي 15 و16 أكتوبر 2026، تستعد جزيرة جربة لاحتضان الدورة الثانية من مهرجان « قطوف – مهرجان آداب الجنوب »، في موعد ثقافي يتجاوز فكرة الاحتفاء بالكتاب إلى محاولة بناء فضاء للتلاقي الفكري والجمالي بين أصوات تنتمي إلى تجارب تاريخية وثقافية ولغوية متعددة. وبعد الدورة الأولى التي انتظمت سنة 2025، يعود المهرجان إلى الجزيرة التونسية حاملًا طموحًا يتصل بإعادة رسم خرائط الحوار الأدبي، ومنح الجنوب موقعًا فاعلًا في إنتاج المعرفة وتداول الأفكار وصناعة المعنى.

اختيار جربة ليس تفصيلًا تنظيميًا أو خلفية جغرافية محايدة؛ إنه جزء من تصور ثقافي يريد للمكان أن يكون عنصرًا في إنتاج الخطاب، لا مجرد وعاء لاحتضانه. فالجزيرة، بما تختزنه من طبقات تاريخية وتقاليد متراكمة ومسارات للتواصل بين ضفاف المتوسط ومجالاته الإفريقية والعربية، تتيح التفكير في الجنوب باعتباره فضاءً للتفاعل والتعدد.

من هنا، تكتسب تسمية « قطوف » دلالتها الرمزية. فالقطاف هو جمع الثمار بعد زمن من النمو، لكنه، في المجال الثقافي، لا يعني حصادًا نهائيًا بقدر ما يشير إلى ثمرة اللقاء بين التجارب والأصوات. كل نصّ يحمل أثر مكانه وزمنه، وكل حكاية تأتي محمّلة بذاكرة فردية وجماعية، وكل حوار يفتح إمكانًا لاكتشاف ما يجمع الثقافات وما يفصل بينها. وهكذا يصبح المهرجان مساحة لقطف المعاني من اختلاف التجارب، لا لتذويبها في خطاب واحد.

« الأدب والتحرّر » : سؤال يتجاوز السياسة إلى حرية الإنسان

يضع المهرجان في دورته الثانية شعار « الأدب والتحرّر » في صدارة برنامجه، وهو اختيار يفتح المجال أمام أسئلة تتجاوز المعنى المباشر للتحرّر السياسي. فالتحرّر، في التجربة الإنسانية، لا يتحقق فقط بالخروج من الاستعمار أو استعادة السيادة الوطنية، بل يتصل كذلك بتحرير الوعي من الصور الجاهزة، واللغة من القوالب المغلقة، والذاكرة من الصمت المفروض عليها، والخيال من الحدود التي ترسمها السلطات الاجتماعية والثقافية والفكرية.

الأدب، بهذا المعنى، ليس انعكاسًا سلبيًا للعالم، ولا مجرد سجل للأحداث التي عاشتها المجتمعات؛ إنه قدرة على مساءلة ما يبدو بديهيًا، وعلى منح التجارب المهمشة لغةً وصورةً وصوتًا. وقد تكون الكتابة فعل تحرّر حين تستعيد شخصيةً محذوفة من التاريخ، أو تنصت إلى ذاكرة لم تجد طريقها إلى السرد الرسمي، أو تكشف التناقضات التي تخفيها الشعارات الكبرى. وقد تكون كذلك حين تسمح للفرد بأن يعيد النظر في علاقته باللغة والانتماء والجسد والمجتمع.

لكن السؤال الذي يطرحه شعار المهرجان لا يقتصر على قدرة الأدب على تحرير الإنسان؛ إنه يتصل أيضًا بحدود هذه القدرة. هل يستطيع النص أن يغيّر الواقع، أم أن دوره يبدأ بتغيير الطريقة التي نفهم بها هذا الواقع؟ وهل يكفي امتلاك الاستقلال السياسي لتحقيق التحرّر الثقافي؟ وما الذي يبقى من الحرية حين تتبدل أشكال الهيمنة وتستمر بعض آلياتها داخل اللغة والمؤسسات والتمثلات الاجتماعية؟

تمنح هذه الأسئلة البرنامج أفقًا فكريًا يتجاوز اللقاءات الاحتفالية. فالمطلوب ليس الاحتفاء بالتحرّر باعتباره قيمة مكتملة، وإنما مساءلته بوصفه مسارًا متواصلًا، تتجدد رهاناته مع كل جيل، وتتغير أسئلته بتغير السياقات التاريخية والاجتماعية.

جسور أدبية بين المغرب العربي والمشرق وإفريقيا : الجنوب يروي حكاياته

تقوم إحدى أهم رهانات « قطوف » على جمع كتّاب وشعراء وفلاسفة ومخرجين وفنانين وباحثين من تونس والمغرب العربي والمشرق وإفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب مشاركين من خلفيات ثقافية أخرى. ولا تكمن أهمية هذا التنوع في عدد الجنسيات أو اتساع قائمة الضيوف وحدهما، بل في الإمكان الذي يتيحه لبناء حوار بين تجارب كثيرًا ما تُقرأ منفصلة، رغم ما بينها من أسئلة تاريخية وإنسانية مشتركة.

يشارك في هذه الدورة، من تونس، الأكاديمية والروائية أميرة غنيم، والروائي محمد عيسى المؤدب، وموحى حرمل، وعفيفة سعودي السميطي، وبشرى فورتي، وغازي الغرايري، وشريف علوي، وضياء البوسالمي، والفنانة سامية أوريسمان، وصحبي شعير، ومعز الونيسي، إلى جانب أسماء أخرى ترد ضمن البرنامج التفصيلي.

ومن الضيوف القادمين من خارج تونس الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، والشاعرة الجزائرية لميس السعيدي، والمخرج السينمائي البوركينابي داني كوياتي، والمخرج الجزائري عبد النور زحزاح، والكاتبة المغربية الفرنسية سميرة العياشي، وإيناس سنغور ذات الأصول الصربية السنغالية، والفلسطيني معاذ جهاد.

إن جمع هذه الأسماء يتيح الانتقال من فكرة التعدد بوصفه تنوعًا شكليًا إلى التعدد بوصفه طريقة في التفكير. فالتجربة الأدبية المغاربية، مثلًا، لا تُختزل في أسئلة الهوية الوطنية، كما أن التجربة الإفريقية لا تُختصر في الاستعمار وآثاره، ولا يمكن قراءة الكتابة الفلسطينية خارج أسئلة الذاكرة والمنفى والمقاومة، أو فصل الأدب الفرنسي اللغة عن السياقات الثقافية التي تمنحه معناه.

تتجاور هذه التجارب من دون أن تتطابق. وقد تكشف المقارنة بينها عن تشابهات غير متوقعة، لكنها تتيح أيضًا اكتشاف الاختلافات التي ينبغي احترامها، لا محوها تحت عناوين عامة. فالحوار الحقيقي لا يبدأ بافتراض أن الجميع يقولون الشيء نفسه بلغات مختلفة، بل بالاعتراف بأن لكل تجربة تاريخها وأسئلتها وخصوصيتها.

ومن هنا، تبرز أهمية أن يلتقي الجنوب بنفسه، وأن تتاح لآدابه فرصة بناء علاقات مباشرة بين فضاءاته الثقافية. فالتواصل بين الكاتب التونسي ونظيره السنغالي أو الفلسطيني أو الجزائري لا ينبغي أن يكون مشروطًا دائمًا بوساطة مؤسسة أو سوق أو عاصمة ثقافية غربية حتى يكتسب قيمته أو يحظى بالاعتراف.

و يعني ذلك إعادة التوازن إلى شبكة التداول الثقافي، بحيث لا تحتكر جهة واحدة حق منح القيمة أو تحديد ما يستحق القراءة والنشر والانتشار. فالعالم الأدبي ليس طريقًا أحادي الاتجاه، والجنوب له ذات منتجة للفكر والجمال، وقادرة على مخاطبة العالم من موقعها الخاص.

معركة المعنى في آداب الجنوب : من التبعية الثقافية إلى استقلال الرؤية

تتمثل إحدى القضايا المركزية التي يثيرها المهرجان في العلاقة بين الجغرافيا والسلطة الثقافية. فالمركز والهامش ليسا دائمًا حقيقتين طبيعيتين تفرضهما المسافات، بل قد يكونان نتيجتين لمسارات تاريخية واقتصادية وتعليمية وإعلامية تحدد من ينتج المعرفة، ومن يملك وسائل نشرها، ومن يقرر ما يُترجم، وما يُدرّس، وما يدخل إلى الذاكرة الأدبية العالمية.

حين تُختزل آداب الجنوب في موضوعات الفقر والاستعمار والهجرة والأزمات، أو حين تُقدَّم باعتبارها مادةً لإثارة فضول القارئ الخارجي، فإنها تفقد جزءًا من استقلالها في تعريف ذاتها. فهذه الموضوعات قد تكون بالفعل مكوّنًا أساسيًا من تجارب كثيرة، لكنها لا تستنفد غنى الكتابة ولا تعدد أشكالها وأسئلتها. للجنوب أيضًا فلسفاته ومخيلاته وأسئلته الوجودية وتجريباته الفنية وتصوراته للمستقبل.

لهذا، فإن نقل مركز اللقاء إلى جربة يحمل دلالة تتصل بتغيير شروط إنتاج الحوار نفسه. فالجزيرة لا تستضيف أصواتًا قادمة من أماكن متباعدة فحسب، بل تتحول، خلال أيام المهرجان، إلى نقطة التقاء تُصاغ فيها الأسئلة انطلاقًا من تجارب الجنوب، وبالاستناد إلى قدرته على الإنصات إلى ذاته ومساءلتها.

غير أن نقل المركز جغرافيًا لا يكفي وحده لتغيير علاقات القوة الثقافية. فالمشروع يحتاج، على المدى الطويل، إلى استمرارية في النشر والترجمة، وإلى بناء شبكات تعاون بين الكتّاب والمؤسسات، وإلى إتاحة الكتب أمام القراء، وإلى متابعة ما ينشأ عن اللقاءات من أفكار ومشروعات. عندئذ فقط يمكن للمهرجان أن يتجاوز لحظة الحدث إلى بناء أثر ثقافي قابل للاستمرار.

ومن هذه الزاوية، يبدو « قطوف » فرصة لاختبار إمكانية تأسيس فضاء أدبي لا تُقاس أهميته بمدى اقترابه من المراكز التقليدية، بل بقدرته على إنتاج أسئلته، وتوسيع دوائر قرائه، وتطوير أشكال التعاون بين تجارب الجنوب.

الاستقلال: قطيعة أم تواصل؟

يحضر سؤال الاستقلال بوضوح في البرنامج من خلال الحوار المتقاطع المعنون « الاستقلال: قطيعة أم تواصل؟ »، بمشاركة موحى حرمل ولميس السعيدي، وتسيير ضياء البوسالمي. وهو سؤال يتجاوز التأريخ للحظة سياسية محددة ليضع مفهوم الاستقلال نفسه موضع مساءلة.

فالاستقلال، في الذاكرة الوطنية، يُقدَّم غالبًا باعتباره لحظة فاصلة بين زمنين : زمن الخضوع وزمن السيادة، وزمن المستعمِر وزمن الدولة الوطنية. غير أن التحولات التي أعقبت الاستقلالات السياسية في عدد من بلدان الجنوب تكشف أن الانتقال من السيادة القانونية إلى التحرّر الفعلي أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان القطيعة مع الماضي.

ما الذي يتغير حين تتغير السلطة السياسية، وما الذي يستمر داخل المؤسسات واللغة والتعليم وأنماط التفكير؟ وهل تستطيع الدولة الوطنية أن تتحرر من البنى التي ورثتها، أم تعيد إنتاج بعضها في أشكال جديدة؟ وكيف يمكن للمجتمعات أن تستعيد تاريخها من دون أن تحوّله إلى سردية مغلقة لا تسمح بالنقد أو الاختلاف؟

لا يقتضي طرح هذه الأسئلة التقليل من قيمة الاستقلال السياسي أو إنكار التحولات التي حققتها حركات التحرر الوطني. بل يتيح التمييز بين استعادة السيادة بوصفها إنجازًا تاريخيًا، وبين استكمال التحرّر بوصفه عملًا اجتماعيًا وثقافيًا مستمرًا.

فالقطيعة التامة مع الماضي قد تبدو مستحيلة، كما أن الاستمرار غير النقدي معه قد يتحول إلى إعادة إنتاج للقيود نفسها. وبين القطيعة والتواصل تتحدد مهمة الذاكرة النقدية: أن تحفظ ما يستحق الحفظ، وتراجع ما يستوجب المراجعة، وتسمح للأجيال الجديدة بفهم التاريخ من دون الخضوع لسلطته أو التنكر له.

ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة حين يُطرح في فضاء يجمع تجارب وطنية وثقافية مختلفة؛ إذ لا تتشابه مسارات الاستقلال في كل البلدان، ولا تتطابق أشكال الهيمنة أو نتائج التحرّر. لكن المقارنة بين التجارب تتيح اكتشاف أسئلة مشتركة، وتمنح كل تجربة فرصة رؤية نفسها من زاوية أخرى.

الفلسفة والأدب : حين تصبح الحرية سؤالًا للمعرفة

يشكل حضور الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان إحدى العلامات الفكرية البارزة في هذه الدورة، ولا سيما من خلال مشاركته في الحوار الافتتاحي حول معنى التحرّر، إلى جانب أميرة غنيم ومعاذ جهاد، وتسيير نادية حثروبي صفصاف.

إن اجتماع الفلسفة بالرواية والتجربة الفكرية والسياسية يفتح المجال أمام مقاربة متعددة المستويات للحرية. فالفلسفة تسأل عن شروط التفكير المستقل، والأدب يختبر الحرية في مصائر الشخصيات وتناقضات المجتمعات وتعقيدات اللغة، بينما تضع التجربة التاريخية هذه المفاهيم أمام واقع لا يستجيب دائمًا للتعريفات المجردة.

وتتجلى أهمية هذا التداخل في أنه يمنع اختزال التحرّر في خطاب جاهز. فالحرية ليست مجرد كلمة إيجابية يتفق الجميع على معناها؛ إنها مفهوم تتنازع تعريفه تجارب الأفراد والمجتمعات، وتختلف حدوده باختلاف السياقات. وقد يكون الفرد مستقلًا سياسيًا، لكنه يظل خاضعًا لضغوط اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية تحد من قدرته على الاختيار. وقد يمتلك المجتمع مؤسساته الوطنية، لكنه يحتاج إلى مراجعة طرائق إنتاج المعرفة وتمثيل الماضي وصياغة المستقبل.

ومن هنا، يصبح الحوار بين الفلسفة والأدب ضرورة لفهم العلاقة بين الحرية والوعي. فالنص الأدبي لا يقدم بالضرورة حلولًا نهائية، لكنه يستطيع تعقيد السؤال، وإظهار ما تخفيه الإجابات السريعة، وإعادة الاعتبار إلى التجارب الإنسانية التي لا تستوعبها المفاهيم المجردة بسهولة.

ولعل هذه إحدى وظائف المهرجان: أن يجعل الاختلاف بين الحقول المعرفية مصدرًا للإضاءة المتبادلة، لا سببًا للانفصال بين الثقافة والفكر والفن.

من الصفحة إلى الصورة : السينما تستعيد ذاكرة التحرّر

لا يقتصر برنامج « قطوف » على الأدب المكتوب، بل يفتح نافذة على السينما من خلال عرض فيلم « فانون » للمخرج الجزائري عبد النور زحزاح، يتبعه نقاش مع الجمهور. ويحمل هذا الاختيار إمكانات فكرية وتاريخية تتصل بالاستعمار والتحرّر والعلاقة بين المعرفة والسلطة.

يتيح استحضار فرانتز فانون العودة إلى واحد من أبرز المفكرين الذين تناولوا أثر الاستعمار في النفس والمجتمع، ودرسوا العلاقة بين العنف الاستعماري وتكوين الذات المستعمَرة وشروط استعادة الفاعلية التاريخية. غير أن أهمية هذا الاستحضار لا تكمن في تحويل فانون إلى رمز مغلق أو مرجعية لا تُناقش، بل في إعادة طرح أسئلته على ضوء الحاضر.

كيف تستمر آثار الاستعمار بعد زوال بنيته السياسية المباشرة؟ وما علاقة التحرّر بتغيير الصور التي يحملها الإنسان عن نفسه؟ وهل يكفي استرداد الأرض والمؤسسات، أم أن التحرّر يحتاج أيضًا إلى مراجعة أنظمة المعرفة والتمثيل التي تشكلت خلال الحقبة الاستعمارية؟

تمنح السينما هذه الأسئلة بعدًا بصريًا وإنسانيًا، إذ تستطيع أن تصل الفكر بالتجربة، وأن تجعل التاريخ موضوعًا للمشاهدة والنقاش وإعادة التأويل. كما أن النقاش الذي يلي العرض يتيح الانتقال من تلقي العمل الفني إلى مساءلة اختياراته ومرجعياته وما يثيره من أسئلة.

بهذا المعنى، لا يأتي الفيلم عنصرًا منفصلًا عن بقية البرنامج، بل ينسجم مع محور «الأدب والتحرّر»، ويؤكد أن معركة المعنى لا تخوضها الكتابة وحدها؛ فالسينما والفلسفة والشعر والفنون المختلفة تشارك جميعها في إعادة تشكيل الوعي بالماضي والحاضر.

الشعر عند الغروب : حين يلتقي الصوت بالمكان

في مشهد آخر من مشاهد المهرجان، تنتقل القراءة من فضاء القاعات إلى برج غازي مصطفى، حيث ينتظم لقاء « سحر الغروب » من خلال قراءات تتناغم مع أنغام الناي، بمشاركة داني كوياتي وصحبي شعير ومعز الونيسي.

يكتسب هذا الموعد دلالته من العلاقة بين النص والمكان والزمن. فالغروب ليس مجرد خلفية جمالية، بل لحظة انتقال تتغير فيها ألوان المشهد وإيقاعات الضوء، ويصبح الإصغاء أكثر التصاقًا بما يحيط به. وحين تُقرأ الكلمات على أنغام الناي، تنشأ علاقة بين اللغة والموسيقى، بين المعنى المعلن والإيقاع الذي يتسلل إلى المتلقي عبر الصوت.

إن إخراج الأدب إلى فضاءات جربة المفتوحة ينسجم مع رغبة المهرجان في تجاوز الحدود التقليدية للحدث الثقافي. فالنص لا يعيش في الكتاب وحده، والقراءة ليست نشاطًا ذهنيًا منفصلًا عن الجسد والمكان. قد تمنح البيئة المحيطة الكلمات ظلالًا جديدة، وقد تجعل التجربة الفنية أكثر قربًا من الجمهور، بما تتيحه من مشاركة حسية تتجاوز التلقي الصامت.

وتتكامل هذه الفكرة مع مبادرة « حكايات على متن قارب »، التي تستدعي البحر بوصفه فضاءً للحكي والذاكرة والعبور. فالبحر، في تاريخ جربة والمتوسط، ليس مشهدًا طبيعيًا فقط، بل مجالًا تتقاطع فيه طرق التجارة والهجرة واللقاء والانفصال، وتحمل مياهه آثار حكايات كثيرة. وحين تصعد الحكاية إلى القارب، يتحول المكان إلى شريك في القراءة، ويصبح الأدب تجربة تُعاش خارج القاعات، لا مجرد مادة تُقدَّم داخلها.

وهنا تتجلى إحدى نقاط قوة التصور الثقافي للمهرجان: إعادة وصل الكتابة بالحياة اليومية، وتوسيع إمكانات اللقاء بين النص والجمهور، من دون التخلي عن عمق الأسئلة الفكرية التي يحملها.

جربة التي لا تختزلها السياحة

تتمتع جربة بصورة سياحية معروفة، غير أن « قطوف » يسعى إلى إبراز أبعاد أخرى من الجزيرة، تتصل بذاكرتها وتراثها ومؤسساتها التربوية والثقافية وقدرتها على احتضان الإبداع. ولا يعني ذلك التعارض بين الثقافة والسياحة، بل توسيع صورة المكان بحيث لا تختزل هويته في وظيفة اقتصادية أو مشهد بصري قابل للاستهلاك السريع.

فالجزيرة فضاء للعيش والتعلم والعمل والإبداع، وهي أيضًا مجال تتفاعل فيه الذاكرات والعادات واللغات. ويمكن للحدث الثقافي أن يسهم في جعل هذه الطبقات أكثر حضورًا.

ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية حين تُنظَّم أنشطة المهرجان في فضاءات متنوعة، من المركز الثقافي إلى الحدائق والمؤسسات التربوية وبرج غازي مصطفى. فانتقال الفعل الثقافي بين هذه المواقع يوسّع علاقته بالمجتمع المحلي، ويجعل المكان جزءًا من تجربة المشاركة.

ومن شأن هذا التصور، إذا استمر وتطور، أن يعزز حضور جربة بوصفها فضاءً ثقافيًا حيًا، لا مجرد محطة في خريطة السفر. فالمكان الذي يستضيف الحوارات ويحتضن الورشات ويمنح الأطفال فرصة الكتابة والتجريب يضيف إلى ذاكرته طبقة جديدة: ذاكرة الأفكار واللقاءات والنصوص التي وُلدت فيه.

الناشئة في قلب المهرجان : الإبداع والتحرّر مبكرًا

من أبرز ملامح برنامج « قطوف » الاهتمام بالناشئة، من خلال ورشات الكتابة والسيناريو والحكي والكتابة الإبداعية، فضلًا عن عرض أعمال الأطفال ضمن البرنامج الرسمي، وتنظيم نشاط « أشرعة قطوف: قصص في البحر » يوم 17 أكتوبر في ميدون، لفائدة الفئة العمرية من 12 إلى 15 سنة.

وتشمل الأنشطة التمهيدية، المبرمجة يوم 14 أكتوبر، ورشات للكتابة باللغتين العربية والفرنسية، وورشة لكتابة سيناريو القصص المصورة بالعربية والفرنسية والإنجليزية، وورشة « كلمات وأطباق » لكتابة وصفة طبخ، وورشة صوتية، إلى جانب استقبال الضيوف وزيارات مرافقة.

قد يبدو إدراج هذه الأنشطة ضمن مهرجان يستضيف فلاسفة وكتّابًا ومخرجين أمرًا بديهيًا، لكنه يحمل دلالة أعمق: الثقافة لا تُبنى فقط عبر اللقاءات التي يتحدث فيها الكبار، بل أيضًا عبر المساحات التي يُتاح فيها للصغار أن يكتشفوا قدرتهم على التعبير.

فالطفل الذي يكتب حكاية أو يرسم شخصية أو يحوّل تجربة يومية إلى نص، لا يتعلم مهارة لغوية فحسب؛ إنه يتدرب على تنظيم تجربته، واختيار الكلمات التي تمثله، واكتشاف أن ما يعيشه يستحق أن يُروى. واليافع الذي يشارك في كتابة سيناريو أو نشاط للحكي يتعلم أن الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أخرى لفهمه وإعادة بنائه.

إن ربط هذه الورشات بشعار « الأدب والتحرّر » يتيح فهم التربية الثقافية باعتبارها جزءًا من تكوين الذات المستقلة. فالتحرّر يبدأ، في أحد معانيه، حين يتعلم الإنسان أن يسأل، وأن يعبّر، وأن يصغي إلى الآخرين، وأن يراجع أفكاره من دون خوف من الاختلاف.

كما أن إشراك المؤسسات التربوية في ميدون وحومة السوق وأجيم وغيرها من فضاءات الجزيرة يفتح المجال أمام توزيع النشاط الثقافي خارج المركز الواحد، ويعزز إمكان وصوله إلى الأطفال في محيطهم اليومي.

وتكتمل هذه الرؤية بعرض أعمال الورشات أمام جمهور المهرجان؛ إذ لا تبقى مساهمة الأطفال نشاطًا جانبيًا أو تجربة مغلقة، بل تصبح جزءًا من المشهد الثقافي العام. إنها لحظة اعتراف بأن الإبداع ليس امتيازًا مرتبطًا بالعمر أو المكانة، وإنما قدرة تنمو حين تتاح لها المساحة والتشجيع.

التعدد اللغوي : أن نتحاور من دون أن نتشابه

تُجرى لقاءات المهرجان بالعربية والفرنسية والإنجليزية، في اختيار يعكس تعدد المرجعيات اللغوية التي تتحرك داخلها آداب الجنوب. فاللغة ليست مجرد أداة لنقل الأفكار؛ إنها أيضًا ذاكرة وتاريخ وطريقة في بناء العالم، تحمل داخلها آثار التعليم والهجرة والاستعمار والتحولات الاجتماعية.

في المجتمعات المغاربية، تتجاور اللغات وتتداخل في التجارب الفردية والجماعية، وقد تتحول هذه العلاقة إلى مصدر غنى إبداعي، كما قد تصبح مجالًا للتوتر حين تُربط لغة بعينها بالشرعية الثقافية أو الفرص الاجتماعية أو الاعتراف المؤسسي.

من هنا، لا ينبغي فهم التعدد اللغوي باعتباره مجرد ترتيب تقني لتيسير مشاركة الضيوف، بل بوصفه اعترافًا بأن الأدب لا ينتمي إلى لغة واحدة، وأن التجارب الإنسانية قادرة على عبور الحدود اللغوية من دون أن تفقد خصوصيتها.

غير أن الاحتفاء بالتعدد يطرح بدوره سؤال الترجمة. فكيف تنتقل نصوص الجنوب بين اللغات؟ وما الذي يصل منها إلى القارئ، وما الذي قد يضيع أو يتغير أثناء الانتقال؟ وكيف يمكن توسيع حركة الترجمة بين لغات الجنوب نفسها، بحيث لا يظل النص محتاجًا إلى المرور عبر لغة وسيطة كي يصل إلى قراء جدد؟

إن بناء فضاء ثقافي متعدد اللغات يحتاج إلى ما يتجاوز إتاحة الحديث بلغات مختلفة؛ يحتاج إلى مشاريع ترجمة ونشر وتبادل مستمرة، وإلى الاعتراف المتكافئ بقيمة التجارب التي لا تكتب باللغة الأكثر انتشارًا في سوق النشر العالمية.

من الكتاب إلى المسرح والفن : أشكال أخرى للحكي

يتسع البرنامج كذلك ليشمل عرض « ستاند أب » للفنانة سامية أوريسمان مساء 15 أكتوبر، إلى جانب ورشات تتناول الحكي والشفوية الحية، ولقاء حول الكتابة والحرية، وأنشطة تربط القراءة بالحركة، فضلًا عن فقرة « رقصات وتحرّر » المبرمجة في اليوم الثاني.

ويعكس هذا التنوع تصورًا للأدب لا يحصره في النص المكتوب، بل يضعه ضمن شبكة أوسع من أشكال التعبير. فالحكاية قد تنتقل من الصفحة إلى الصوت، ومن الصوت إلى الجسد، ومن السرد إلى الصورة أو الأداء، من دون أن تفقد قدرتها على طرح الأسئلة.

وتكتسب الشفوية أهمية خاصة في فضاءات الجنوب، حيث تحفظ الذاكرة الشعبية أشكالًا من المعرفة والخبرة تنتقل عبر الأجيال، وقد لا تجد دائمًا مكانًا كافيًا في المؤسسات التي تمنح الأولوية للنصوص المدونة. والحكي الحي يعيد الاعتبار إلى الصوت بوصفه حاملًا للذاكرة، وإلى اللقاء المباشر بوصفه علاقة تتشكل بين الراوي والمستمعين.

أما ربط القراءة بالحركة، فيذكّر بأن المعرفة ليست نشاطًا ذهنيًا معزولًا عن التجربة الحسية، وأن المشاركة الثقافية يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة تتجاوز الجلوس والاستماع. بذلك، لا يبدو تنوع البرنامج تشتتًا بين فنون متعددة، بل محاولة لتوسيع معنى القراءة والإصغاء والتعبير.

المهرجان بوصفه مساحة لتلاقح الأفكار وانفتاح الأسئلة

تتضح أهمية « قطوف » أيضًا في نوعية الأسئلة التي يتيحها برنامجه. فالحوار حول التحرّر، ومساءلة الاستقلال، واستحضار فانون، ومناقشة العلاقة بين الأجيال، والتفكير في كتابة الجنوب لتاريخه، كلها موضوعات تتطلب الإنصات إلى اختلاف وجهات النظر أكثر مما تتطلب البحث عن إجابات سريعة.

إن المهرجان الثقافي الذي يطمح إلى إحداث أثر يتجاوز أيام انعقاده يحتاج إلى أن يمنح الحوار الوقت الكافي، وأن يسمح للأفكار بأن تُختبر وتُناقش، وأن يتعامل مع الاختلاف بوصفه شرطًا للمعرفة. فليس المطلوب أن يخرج المشاركون برؤية واحدة، وإنما أن تتسع مساحة الأسئلة وأن يصبح النقاش قادرًا على تجاوز الأحكام المسبقة.

كما أن نجاح اللقاء لا يُقاس فقط بحضور الأسماء المعروفة أو بعدد الأنشطة، بل بقدرته على فتح علاقات جديدة بين المشاركين والجمهور، وإتاحة فرص للاكتشاف والتعلم، وتحويل الأفكار التي تُطرح في الجلسات إلى إمكانات للتعاون في المستقبل.

وفي هذا السياق، يمثل الحضور المحلي عنصرًا أساسيًا. فالمهرجان الذي يستضيف كتّابًا من بلدان مختلفة يحتاج أيضًا إلى أن يصغي إلى القراء والمربين والطلبة والفنانين في المكان الذي يحتضنه، حتى لا يبقى حدثًا عابرًا في ذاكرة الجزيرة، بل يصبح جزءًا من حياتها الثقافية.

ومن هنا، فإن إشراك المؤسسات التربوية، وإقامة الورشات، وإخراج الحكاية إلى الفضاء العام، كلها خطوات تمنح المشروع فرصة لبناء علاقة أكثر عمقًا بالمجتمع الذي ينظم فيه.

ما بعد أكتوبر : كيف يتحول اللقاء إلى مشروع ثقافي مستدام؟

إن طموح « قطوف » إلى أن يصبح موعدًا سنويًا ثابتًا لآداب الجنوب لا يتوقف عند نجاح كل دورة في استقطاب الأصوات الأدبية والفكرية، بل يرتبط أساسًا بقدرته على تحويل اللقاءات المؤقتة إلى مسارات مستدامة للحوار والإبداع. فالقيمة الحقيقية للمهرجان لا تكمن في ما يجمعه من أسماء وتجارب خلال أيام انعقاده فحسب، وإنما أيضًا في ما يتيحه من فرص للتواصل وتبادل المعرفة، وفي ما يتركه من أثر قابل للتطور بعد انتهاء فعالياته.

ومن هذا المنطلق، يصبح توثيق الحوارات ونشر خلاصاتها، وإتاحة مختارات من القراءات والمداخلات أمام جمهور أوسع، وتطوير مبادرات للترجمة بين اللغات المشاركة، من الآليات التي يمكن أن توسّع أثر المهرجان وتمنح أفكاره حياة تتجاوز فضاءه المباشر. كما أن بناء شبكات تعاون بين الكتّاب والفنانين والباحثين من شأنه أن يحوّل اللقاءات إلى علاقات مهنية وثقافية متواصلة، تفتح المجال أمام مشاريع مشتركة وتبادل أدبي وفكري أكثر انتظامًا.

ولا تكتمل هذه الاستمرارية من دون توسيع دائرة الجمهور وتعزيز الصلة بالمجتمع المحلي، ولا سيما الأجيال الناشئة. فالورشات التربوية المخصصة للكتابة والحكي والإبداع لا تمثل أنشطة موازية للبرنامج الرئيسي، بل تشكل امتدادًا لرؤية المهرجان القائمة على جعل الأدب مجالًا للتعبير واكتشاف الذات والانفتاح على الآخر. ومن شأن مواصلة هذه المبادرات أن تجعل علاقة الأطفال واليافعين بالثقافة علاقة متجددة، تتجاوز المشاركة في مناسبة عابرة إلى ممارسة إبداعية تتطور مع الزمن. كما يتيح النشر واللقاءات اللاحقة والأنشطة الفنية والتربوية نقل المعرفة التي ينتجها المهرجان إلى فضاءات أوسع، بما يعزز حضورها في الحياة الثقافية اليومية.

وهكذا، فإن التحدي الأساسي أمام « قطوف » لا يتمثل في جمع أصوات الجنوب في جربة فحسب، بل في بناء الشروط التي تسمح لهذه الأصوات بمواصلة الحوار وتطوير أشكال جديدة من التعاون فيما بينها. فالمركز الثقافي لا يتشكل بمجرد احتضان الفعاليات أو استضافة الأسماء، وإنما ينشأ من قدرته على إنتاج العلاقات وتداول المعرفة وفتح آفاق جديدة للكتابة والقراءة والتفكير. وحين تتحول اللقاءات إلى مشروعات مستمرة، والأفكار إلى مبادرات قابلة للتطور، يصبح المهرجان أكثر من موعد سنوي؛ يغدو فضاءً ثقافيًا متجددًا يسهم في ترسيخ حضور آداب الجنوب، ويمنحها فرصًا أوسع للتفاعل فيما بينها وللحوار مع العالم.

معلومات مختصرة عن  المهرجان

  • التظاهرة: قطوف – مهرجان آداب الجنوب، الدورة الثانية.
  • الشعار: الأدب والتحرّر.
  • التاريخ: من 14 إلى 17 أكتوبر 2026، مع تركّز الفعاليات الرئيسية يومي 15 و16 أكتوبر.
  • المكان: جربة، تونس؛ المركز الثقافي، إلى جانب فضاءات أخرى في الجزيرة.
  • البرنامج: لقاءات أدبية وفكرية، حوارات، قراءات شعرية، عروض سينمائية وفنية، ورشات كتابة وحكي، وأنشطة موجهة إلى الناشئة.
  • اللغات: العربية والفرنسية والإنجليزية.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى