ثقافة

«بامبينو» لبسّام الحمراوي في قرمبالية: حين يصبح الضحك مرآةً للعائلة التونسية

لم تكن ليلة الجمعة 21 أوت في مسرح الهواء الطلق بقرمبالية مجرد موعد عابر مع الكوميديا، بل كانت سهرةً اختار خلالها الحمراوي أن يقترب أكثر من تفاصيل الحياة اليومية للعائلة التونسية، من خلال عرض مسرحي فردي One Man Show جديد «بامبينو»، وذلك ضمن فعاليات الدورة الرابعة والستين من مهرجان العنب بقرمبالية الذي يمتد من 16 إلى 28 أوت، ويجمع بين الموسيقى والمسرح والفرجة الشعبية.

منذ الإعلان عن السهرة، قُدّم «بامبينو» باعتباره عرضًا «أقرب ما يكون إلى واقع العائلات التونسية»، وهي عبارة تلخّص إلى حدّ بعيد الرهان الذي يقوم عليه العمل: الاقتراب من تفاصيل مألوفة لدى الجمهور، وتحويل المواقف اليومية والعلاقات العائلية إلى مادة للكوميديا والفرجة.

من العائلة تبدأ الحكاية

في «بامبينو»، لا يبحث الحمراوي عن عالم بعيد عن المتفرج، وإنما ينطلق من محيط يعرفه التونسي جيدًا: العائلة، العلاقات بين أفرادها، التفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية في الحياة اليومية، لكنها تصبح على الخشبة مصدرًا للمفارقة والضحك.

وهنا تتجاوز الكوميديا وظيفتها الترفيهية المباشرة. فالموقف المضحك يصبح وسيلة لإعادة النظر في سلوكيات وعلاقات اعتادها الجمهور، وربما عاش بعضها داخل بيته أو بين أفراد عائلته.

تفسر هذه المقاربة أيضًا قدرة العرض على الاقتراب من المتفرج؛ إذ لا يحتاج الجمهور إلى ترجمة المواقف أو البحث عن مرجعيات بعيدة حتى يتفاعل معها. إنها شخصيات ومواقف وأحاسيس تنتمي إلى الحياة اليومية، ولذلك تأتي الضحكة في كثير من الأحيان من لحظة التعرف: «هذا يشبه ما يحدث عندنا».

بسّام الحمراوي وحده أمام الجمهور

اختيار قالب العرض المسرحي الفردي يضع الحمراوي في مواجهة مباشرة مع الجمهور. فلا توجد مجموعة كبيرة من الممثلين لتقاسم الحمل الدرامي، ولا تتوزع المسؤولية على شخصيات متعددة؛ بل يقوم العرض أساسًا على قدرة الممثل على التنقل بين المواقف والشخصيات والإيقاعات، وعلى المحافظة على انتباه القاعة.

وهذا الشكل المسرحي يتطلب من الممثل حضورًا قويًا وقدرة على إدارة العلاقة مع الجمهور. فالقاعة ليست مجرد فضاء للمشاهدة، وإنما تصبح جزءًا من إيقاع العرض. الضحكة، الصمت، ردود الفعل وحتى انتظار الجمهور للموقف التالي، كلها عناصر تدخل في بناء اللحظة المسرحية.

ومن هذه الزاوية، يراهن الحمراوي على خبرته في الكوميديا وعلى قدرته على جعل الحكاية تبدو قريبة وعفوية، مع الحفاظ على الإيقاع الذي يحتاجه العرض الكوميدي.

من الضحك إلى البعد الإنساني

لكن لا يتوقف «بامبينو» عند حدود الضحك. ومن أبرز الجوانب التي برزت في العرض تناوله صورة الأب، حيث حمل أحد مقاطعه رسالة إنسانية مؤثرة تقدّم الأب بوصفه «بطلًا خارقًا». وهنا تتغير نبرة العرض من الكوميديا الصرفة إلى لحظة أكثر دفئًا وتأملًا.

وتكتسب هذه اللحظة أهميتها لأنها تكشف وجهًا آخر للعمل. فالأب، داخل الحياة العائلية، ليس فقط شخصية يمكن بناء الموقف الكوميدي حولها، وإنما هو أيضًا حضور عاطفي وإنساني يرتبط بالطفولة والذاكرة والتضحيات والمسؤولية.

وهكذا، يسمح العرض للكوميديا بأن تفتح الباب أمام المشاعر بدل أن تكون غاية في حد ذاتها. فالانتقال من الضحك إلى التأثر لا يبدو خروجًا عن منطق العمل، وإنما جزءًا من محاولة تقديم صورة أكثر تركيبًا للعائلة: عائلة نضحك على تناقضاتها، لكننا في الوقت نفسه نحمل تجاه أفرادها الكثير من الحب والامتنان.

حين يجد الجمهور نفسه فوق الخشبة

أحد أبرز عناصر قوة «بامبينو» هو هذا الشعور بالقرب من الواقع. فالكوميديا التي تستمد مادتها من الحياة اليومية تمنح الجمهور إحساسًا بأنه لا يشاهد حكاية غريبة عنه، بل يرى بعض تفاصيل حياته وقد أعيد ترتيبها على الخشبة.

وهذا النوع من المسرح يقوم على مفارقة بسيطة: كلما كان الموضوع قريبًا من الناس، كان قادرًا على إنتاج ضحك أكثر صدقًا. فالمتفرج لا يضحك فقط لأن الممثل قال شيئًا طريفًا، بل لأنه يتعرف إلى موقف عاشه، أو إلى شخصية يعرفها، أو إلى عادة اجتماعية مألوفة.

ومن هنا يمكن فهم حضور العائلة باعتبارها محورًا مهمًا في «بامبينو». فالعائلة التونسية، بما تحمله من قرب واحتكاك وتناقضات يومية، توفر مادة خصبة للكوميديا، لكنها في الوقت نفسه تمنح العمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز الضحك العابر.

«بامبينو»… كوميديا لا تخفي الإنسان

ما يميّز «بامبينو» في النهاية هو الجمع بين مستويين: مستوى الكوميديا التي تمنح الجمهور لحظة من الضحك والراحة، ومستوى أكثر إنسانية يقترب من العائلة والأب والذاكرة والعلاقات التي تشكل حياة الفرد.

وهذا الجمع هو الذي يمنح العرض مساحة أوسع من مجرد العرض المسرحي الفردي الكوميدي. فحين ينجح الفنان في الانتقال من الضحكة إلى لحظة مؤثرة، فإنه يذكّر بأن الكوميديا نفسها يمكن أن تكون طريقًا إلى المشاعر، وأن الضحك لا يتناقض بالضرورة مع التأمل.

في ليلة 21 أوت بقرمبالية، وجد جمهور مهرجان العنب نفسه أمام عرض يستمد مادته من الحياة القريبة، ويضع العائلة التونسية في قلب الحكاية. وبين المواقف الساخرة واللحظات الإنسانية، حاول بسّام الحمراوي أن يجعل من «بامبينو» مساحة يضحك فيها الجمهور على تفاصيل يعرفها، وربما يكتشف في بعضها شيئًا من نفسه.

وهكذا، لم يكن الرهان في «بامبينو» على صناعة الضحك فقط، بل على صناعة علاقة مع الجمهور؛ علاقة تبدأ من الموقف الكوميدي، تمر عبر تفاصيل الحياة العائلية، وتنتهي عند تلك اللحظة التي يكتشف فيها المتفرج أن أكثر الأشياء التي تضحكه هي أحيانًا أكثر الأشياء قربًا من قلبه.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى