Uncategorizedأخبارتونسثقافة

“جاكرندا”.. صرخة مسرحية في وجه الاستغلال وصمت الكرامة المهدورة

ماذا يحدث عندما يصبح مكان العمل مساحةً منظمة للضغط النفسي والاستنزاف اليومي؟ 

منذ لحظاتها الأولى، تصدم مسرحية”جاكرندا” المتفرج بكشفها الوجه الخفي لمركز نداء يبدو عادياً في الظاهر، لكنه يخفي منظومة تستغل العاملين وتدفعهم إلى حدود طاقتهم الإنسانية. ومن خلال هذا العالم المشحون بالتوتر، تضع المسرحية قضية الكرامة الإنسانية في صدارة المشهد، حيث يصبح الصمت ثمناً باهظاً والمقاومة خياراً لا مفر منه. العمل من تأليف ودراماتورجيا عبد الحليم المسعودي وإخراج وسينوغرافيا نزار السعيدي، ويقدم رؤية نقدية ترصد الصراع بين طموح الفرد ومنظومات السلطة التي تسعى إلى تطويعه.

تبدأ الأحداث بعودة “هارون” إلى تونس من لندن بحثاً عن حقيقة وفاة والده الغامضة. لكن هذا البحث يقوده إلى مركز نداء يبدو مكاناً عادياً للعمل، قبل أن يكشف عن منظومة تفرض ضغوطاً مستمرة على العاملين وتعيد تشكيل علاقاتهم وخياراتهم وفق موازين القوة والمصلحة. ومن خلال هذا المسار الدرامي، تتجاوز المسرحية حدود الحكاية الفردية لتقدم صورة أوسع لمجتمع يُقاس فيه الإنسان بقدرته على الإنتاج، بينما تتراجع احتياجاته وتطلعاته الشخصية.

وتكشف الشخصيات، على اختلاف خلفياتها وتجاربها، حجم هشاشة الفرد أمام مؤسسات قادرة على التأثير في قراراته وتوجيه مساره. ومن هنا يتبلور البعد النقدي للعمل، إذ يسلط الضوء على آليات الاستغلال والإقصاء التي تُمارس تحت غطاء الكفاءة والنجاح المهني، ويطرح أسئلة جوهرية حول حدود الخضوع وإمكانات المقاومة.

على المستوى الفني، يعتمد نزار السعيدي إخراجاً يقوم على تكثيف الصورة المسرحية واستخدام العناصر السينوغرافية لخدمة الحالة النفسية للشخصيات. وقد ساهمت الإضاءة والحركة الركحية والإيقاع العام في نقل أجواء الضغط والاختناق التي تعيشها الشخصيات، بما عزز حضور الرؤية النقدية داخل البناء الدرامي.

ويُعد الأداء الجماعي للممثلين من أبرز نقاط قوة العرض، إذ نجح في تقديم شخصيات مقنعة تعكس تناقضات الواقع الذي تتحرك داخله. كما ساعد هذا الانسجام على إيصال أفكار المسرحية بوضوح ومن دون خطاب مباشر أو وعظي، ما منح القضايا المطروحة بعداً إنسانياً أكثر تأثيراً.

وتتمثل أهمية”جاكرندا”في أنها لا تكتفي بسرد قصة أو عرض بيئة مهنية محددة، بل تستخدمهما لطرح أسئلة تتعلق بالكرامة الإنسانية وآليات الخضوع والمقاومة. فالمسرحية تنتقد أشكال الإقصاء والاستغلال، وتؤكد أن الصمت تجاهها ليس موقفاً محايداً، وهو ما يلخصه عنوانها الفرعي: “إذا كانت اللاكرامة اختياراً، فإن الصمت قرار”.

في النهاية، لا تكتفي”جاكرندا” بأن تكون عملاً مسرحياً يجمع بين الطرح الفكري والمعالجة الفنية، بل تتحول إلى مساءلة حادة للبنى التي تبرر الظلم وتعيد إنتاجه تحت مسميات مختلفة. فهي تضع الحقيقة في مواجهة المصالح، والعدالة في مواجهة موازين القوة، وتكشف أن التواطؤ لا يبدأ بالفعل فقط، بل قد يبدأ أيضاً من الاكتفاء بالمشاهدة. ومن هنا، لا تغادر أسئلتها الخشبة بانتهاء العرض، بل تلاحق المتفرج نفسه:

ماذا يعني أن تعرف الحقيقة ثم تلتزم الصمت؟

وأين تنتهي حدود الفرجة لتبدأ مسؤولية الموقف؟

إنها دعوة صريحة إلى رفض اللامبالاة، وإلى إدراك أن العدالة لا تتحقق ما دام الصمت يمنح الاستغلال فرصة للاستمرار.

 

ذكرى بونقيشة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى