أخبار السفارات

الولايات المتحدة تحتفل بمرور 250 عاماً على الاستقلال وتستحضر 229 عاماً من العلاقات مع تونس

أحيت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في تونس الذكرى المائتين والخمسين لإعلان استقلال الولايات المتحدة، في أجواء احتفالية جمعت مسؤولين حكوميين ودبلوماسيين ورجال أعمال وممثلين عن المجتمع المدني ووسائل الإعلام، إلى جانب شخصيات تونسية ودولية بارزة وشركاء من مختلف القطاعات. وقد تجاوزت المناسبة طابعها الاحتفالي لتشكل محطة للتأكيد على متانة العلاقات التونسية الأمريكية التي تمتد لأكثر من قرنين من الزمن.

وجرى الاحتفال بحضور وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، تحت شعار “Freedom 250″، في إشارة إلى مرور 250 عاماً على توقيع إعلان الاستقلال الأمريكي سنة 1776. وشكلت المناسبة فرصة للاحتفاء بتاريخ الولايات المتحدة وقيمها الديمقراطية، وفي الوقت ذاته لإبراز عمق الصداقة التي تجمعها بتونس، في إطار شراكة تاريخية تواصلت عبر الأجيال.

علاقات أعرق من كثير من التحالفات الدولية

لم يكن الاحتفال مناسبة لاستعراض التاريخ الأمريكي فحسب، بل كان أيضاً فرصة لتسليط الضوء على واحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية التي تربط الولايات المتحدة بدولة عربية وإفريقية. فقد ذكّر السفير الأمريكي بأن تونس كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة، وهو الاعتراف الذي تُوّج بتوقيع معاهدة السلام والصداقة سنة 1797، والتي لا تزال تُعد من أقدم المعاهدات السارية في التاريخ الدبلوماسي الأمريكي.

وفي المقابل، أشار إلى أن الولايات المتحدة كانت أول قوة دولية تعترف باستقلال تونس سنة 1956، ما أرسى أسس علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون المستمر. وعلى امتداد 229 عاماً، تطورت هذه الشراكة لتشمل مجالات متعددة، من التجارة والاستثمار إلى الأمن والتعليم والتبادل الثقافي.

قصة مهاجر تجسد الحلم الأمريكي

اتخذ خطاب السفير بيل بزي طابعاً شخصياً وإنسانياً، إذ استعاد جزءاً من مسيرته الذاتية باعتباره مهاجراً لبنانياً وصل إلى الولايات المتحدة في سن الثانية عشرة قبل أن يشق طريقه في مؤسسات الدولة الأمريكية.

وأوضح أنه نشأ في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، المعروفة باحتضانها إحدى أكبر الجاليات العربية الأمريكية، حيث تعلم أن الاجتهاد والانضباط قادران على تحويل التحديات إلى فرص. واستعرض محطات من حياته المهنية التي شملت الخدمة لمدة 21 عاماً في قوات مشاة البحرية الأمريكية، ثم العمل مهندساً في شركتي “بوينغ” و”فورد”، وصولاً إلى توليه مناصب سياسية وإدارية انتهت بتعيينه سفيراً لبلاده في تونس.

ومن خلال هذه السيرة، سعى بزي إلى تقديم نموذج لما تعتبره الولايات المتحدة جوهر تجربتها الوطنية: إتاحة الفرص للأفراد بغض النظر عن أصولهم، وإمكانية الارتقاء الاجتماعي عبر العمل والمثابرة.

شراكة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية

ولم يقتصر الحديث على التاريخ والرمزية، بل تطرق السفير إلى ما وصفه بالتقدم الملموس الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال الأشهر الأخيرة. وأشار إلى إطلاق مشاريع تجارية جديدة، واستضافة رواد أعمال تونسيين في قمة “SelectUSA” للاستثمار، فضلاً عن تعزيز التعاون الأمني والعسكري بين البلدين.

وتعكس هذه التصريحات رغبة أمريكية واضحة في توسيع نطاق الشراكة الاقتصادية مع تونس في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة. فواشنطن تنظر إلى تونس بوصفها شريكاً استراتيجياً في منطقة المتوسط وشمال إفريقيا، بينما تسعى تونس إلى جذب استثمارات أجنبية جديدة وتنويع شراكاتها الاقتصادية.

ويبرز في هذا السياق الدور المتنامي لبرامج التبادل الأكاديمي والثقافي التي أسهمت خلال العقود الماضية في بناء جسور التواصل بين الأجيال الجديدة من التونسيين والأمريكيين، وهو ما تعتبره الدبلوماسية الأمريكية أحد أهم مرتكزات العلاقة طويلة المدى بين البلدين.

كأس العالم 2026: الرياضة جسر جديد للتقارب

ومن بين المحاور اللافتة في الاحتفال، التركيز على بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة بالشراكة مع كندا والمكسيك. وأكد السفير الأمريكي أن الحدث الرياضي المرتقب سيفتح آفاقاً جديدة للتبادل الثقافي والاقتصادي بين الشعبين، مع توقع سفر أعداد كبيرة من الرياضيين والمشجعين التونسيين إلى الولايات المتحدة.

وتنظر واشنطن إلى هذه التظاهرة الرياضية باعتبارها فرصة لتعزيز الروابط المباشرة بين الشعبين التونسي والأمريكي، حيث تسهم اللقاءات المباشرة بين الشعوب في بناء علاقات أكثر استدامة من الاتفاقيات الرسمية وحدها. كما أن تدفق الزوار والسياح ورجال الأعمال خلال البطولة قد يخلق فرصاً اقتصادية وتجارية جديدة تعود بالنفع على الطرفين.

“الصديق قبل الطريق”… رسالة سياسية وإنسانية

في ختام كلمته، استشهد السفير بزي بالمثل العربي الشهير: “الصديق قبل الطريق”، معتبراً أن نجاح أي رحلة يرتبط بحسن اختيار الرفيق. ولم يكن اختيار هذا المثل مجرد لمسة ثقافية، بل حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن العلاقات بين تونس والولايات المتحدة تجاوزت منطق المصالح الظرفية لتتحول إلى شراكة طويلة الأمد صمدت أمام التحولات الدولية والإقليمية المتعاقبة.

وقال السفير إن البلدين مدعوان إلى تجديد التزامهما المشترك بالعمل من أجل الازدهار والأمن وتوسيع الفرص الاقتصادية والتعليمية للأجيال القادمة، مؤكداً أن الصداقة التونسية الأمريكية لا تزال قادرة على التطور ومواكبة تحديات المستقبل.

بين الذاكرة والتطلعات

جاء الاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة ليجمع بين استحضار التاريخ واستشراف المستقبل. فبينما استعرضت واشنطن محطات تأسيسها وقيمها الوطنية، حرصت في الوقت ذاته على التأكيد أن علاقتها بتونس تمثل نموذجاً لشراكة استمرت عبر الأجيال وتكيفت مع المتغيرات الدولية.

وفي عالم يشهد تحولات متسارعة وإعادة تشكيل للتحالفات وموازين القوى، تبدو الرسالة الأساسية التي حملها هذا الاحتفال واضحة: إن العلاقات القائمة على الثقة المتبادلة والتعاون طويل الأمد تظل أكثر قدرة على الصمود من التحالفات الظرفية، وهو ما تسعى تونس والولايات المتحدة إلى ترسيخه مع دخولهما العقد الثالث بعد المائتين من العلاقات الدبلوماسية المشتركة.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى