“سيد المالوف” زياد غرسة يتألق في سهرة رمضانية بمدينة الثقافة..

بأناقة تونسية أصيلة وإطلالة تختزل وقار التراث وهيبته، قدّم الفنان القدير زياد غرسة مساء الثلاثاء 10 مارس سهرة موسيقية استثنائية بقاعة الأوبرا في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي، وذلك ضمن فعاليات الدورة السادسة لتظاهرة رمضان في المدينة. وقد التقى “سيد المالوف” بجمهور غفير من مختلف الأجيال جاء ليروي ظمأه الفني من منبع الأصالة والتراث التونسي.
واعتلت الركح فرقة موسيقية ضمت أربعة وعشرين عازفًا من نخبة الموسيقيين بقيادة المايسترو زياد غرسة، الذي لم يكن وحيدًا في قيادة الدفة، إذ رافقه ابنه رؤوف غرسة على آلة العود، في مشهد جسّد استمرارية “المدرسة الغرسية” وتوارث الأجيال.
استهلت السهرة فصولها في جزئها الأول بفيض من تجليات المالوف والموشحات، حيث انطلقت بنغمات “بشرف سماعي” في طبع “رصد الذيل” و“البطايحي”، قبل أن ينساب صوت غرسة في موشحات “قد بشرت بقدومكم ريح الصبا” و“يا بدر التمام”. وبتمكنه المعهود، راوح الفنان بين موازين “البرول” و“الهروب” وصولًا إلى “الختم”، متنقلًا بجمهوره بين “قدم المساء” و“بالهوى قلبي تعلق”.
وخلال هذا الجزء، أكد غرسة مكانته كأحد أبرز حماة التراث الموسيقي التونسي، مقتفيًا أثر والده الراحل الطاهر غرسة وأحد أعلام المالوف خميس ترنان. ولم تخل السهرة من لحظات التجلي الخاصة عبر “استخبارات” مرتجلة على آلة العود، كشف فيها غرسة عن علو كعبه وتمكنه اللافت في الارتجال المقامي.
أما في الفصل الثاني من السهرة، فتحول الإيقاع من السكينة الطربية إلى الأجواء الاحتفالية النابضة، حيث استعرض زياد غرسة باقة من أعماله الخاصة والدرر التونسية الخالدة، فغنى “علاش تحير فيا”، قبل أن يعرج بذكاء فني نحو “الفوندو” عبر روائع مثل “شوشانة” و“لميت لم المخاليل”.
وفي لفتة وفاء وعرفان للأغنية التونسية، خصص “كاهن معبد المالوف” حيزًا من سهرته لتحية عمالقة الطرب، فصدح بأغنية “اللي تعدى وفات” للفنان الهادي الجويني، واستحضر روح محمد الجموسي من خلال أداء أغنية “كي جيتينا”.
ومع توالي المقاطع، تحوّل مسرح الأوبرا إلى كورال ضخم، إذ تماهى الجمهور مع الفنان بالرقص والزغاريد والتصفيق، خاصة حين غاص غرسة في أعماق الموروث الشعبي التونسي.
واختُتمت السهرة، التي امتدت لأكثر من ساعتين، بنفحات روحية واحتفالية من “التعليلات” التونسية في مقام “الإصبعين”، لتكون مسك الختام لليلة تونسية خالصة الهوى والهوية، أكدت مجددًا أن الفن الأصيل، حين يجد من يصونه بصدق، يظل القناة الأقصر والأنقى للوصول إلى الوجدان.




