من طبرقة إلى العالم: كيف غيّر برنامج ACCESS حياة 60 شاباً تونسياً؟

في زمنٍ تتسع فيه الفجوات التعليمية وتزداد فيه تحديات الشباب في المناطق الداخلية والحدودية، تبرز قصص صغيرة قادرة على إعادة تعريف معنى الفرصة. وفي شمال غرب تونس، بين جبال طبرقة وأحياء الجديدة، لم يكن برنامج ” ACCESS ” مجرد دروس إضافية في اللغة الإنقليزية، بل تحوّل على مدى عامين إلى مساحة لاكتشاف الذات، وبناء الثقة، وصناعة أفق جديد لجيل كامل من التلاميذ.
احتفلت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في تونس، يوم 11 ماي 2026، بتخرّج 60 تلميذاً وتلميذة من مدينتي طبرقة والجديدة ضمن برنامج ACCESS للنفاذ إلى اللغة الإنقليزية للفترة 2024-2026، في تجربة تعليمية وإنسانية امتدت لعامين كاملين، ولامست حياة المشاركين على مستويات تتجاوز تعلّم اللغة إلى إعادة تشكيل طموحاتهم الشخصية والمهنية.
البرنامج، المموّل من وزارة الخارجية الأمريكية، استهدف تلاميذ موهوبين تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً، ووفّر لهم تكويناً مجانياً شمل حصصاً أسبوعية في اللغة الإنقليزية، إلى جانب تدريبات على القيادة، ومشاريع خدمة مجتمعية، وأنشطة ثقافية هدفت إلى تعزيز التبادل الحضاري والانفتاح على العالم.
من تعلّم اللغة إلى تعلّم الثقة
في كثير من المناطق التونسية البعيدة عن المراكز الكبرى، لا تزال اللغة الإنقليزية تُعتبر امتيازاً أكثر من كونها مهارة متاحة للجميع. بالنسبة لهؤلاء التلاميذ، لم يكن ACCESS مجرد برنامج لغوي، بل فرصة نادرة لكسر الحواجز الاجتماعية والجغرافية التي تحدّ من إمكانياتهم.
فعلى مدار سنتين، خاض المشاركون تجربة تعليمية مختلفة عن النمط المدرسي التقليدي؛ حيث تم التركيز على التفاعل، والعمل الجماعي، والتفكير النقدي، والمبادرات المجتمعية. وهي عناصر باتت اليوم من أهم متطلبات سوق العمل العالمي.
ويقول متابعون للشأن التربوي إن مثل هذه البرامج تكتسب أهمية مضاعفة في السياق التونسي، خاصة في ظل تنامي الحاجة إلى مهارات التواصل الدولي والاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال، وهي مجالات أصبحت اللغة الإنقليزية فيها أداة أساسية للنجاح.
التعليم كجسر للتقارب الثقافي
اللافت في برنامج ACCESS أنه لا يقدّم نفسه فقط كمبادرة تعليمية، بل كجزء من رؤية أمريكية أوسع لتعزيز التقارب الثقافي وبناء جسور التواصل عبر التعليم والثقافة والتبادل الإنساني.
وفي هذا الإطار، اعتبر السفير الأمريكي بيل بازّي، خلال لقائه بالخريجين في طبرقة يوم 2 ماي، أن ” برامج مثل ACCESS تُبرز التزام الولايات المتحدة بتوسيع الفرص للشباب في جميع أنحاء البلاد التونسية”، مضيفاً أن “هؤلاء التلاميذ أصبحوا اليوم أكثر قدرة على متابعة أهدافهم الأكاديمية والمهنية، والمساهمة في مجتمعاتهم، وتعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية بين الولايات المتحدة وتونس “.
أما القائمة بالأعمال الأمريكية إيميلي كاتكار، فقد شاركت بدورها يوم 8 ماي في احتفال بمدينة العلوم بتونس العاصمة، في رسالة تؤكد الأهمية التي توليها السفارة لهذا النوع من المبادرات الشبابية.
وتأتي هذه الأنشطة ضمن احتفال يمتد طوال عام 2026 بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، حيث تسعى السفارة الأمريكية إلى ربط هذا الحدث التاريخي بمبادرات موجهة نحو الشباب والتعليم والابتكار.
شراكات محلية… لصناعة أثر مستدام
نجاح البرنامج لم يكن ممكناً دون الشراكات المحلية التي وفّرت التأطير والمتابعة الميدانية. فقد تم تنفيذ المشروع بالتعاون مع شبكة التعليم والموارد التونسية في الجديدة، وجمعية خريجي معهد الغابات والمراعي الغابية بطبرقة.
وتبرز هذه الشراكات أهمية المجتمع المدني في إنجاح المبادرات التعليمية الدولية، خاصة حين تكون قادرة على الوصول إلى الشباب داخل المناطق الأقل حظاً من حيث الموارد والفرص.
ويرى مختصون أن الاستثمار الحقيقي في التعليم لا يقاس فقط بعدد المستفيدين، بل بقدرة البرامج على خلق “عدوى إيجابية” داخل المجتمعات المحلية، حيث يتحول الخريجون أنفسهم إلى نماذج ملهمة لأقرانهم.
أكثر من 3000 تونسي… وشبكة عالمية من القادة
بانضمام دفعة 2026، يرتفع عدد خريجي ACCESS في تونس إلى أكثر من 3000 شاب وشابة، ضمن شبكة عالمية تضم أكثر من 200 ألف خريج في أكثر من 85 دولة منذ إطلاق البرنامج سنة 2004.
وتؤكد السفارة الأمريكية أن خريجي البرنامج يواصلون لاحقاً مسيرات مهنية ناجحة في مجالات متعددة، من القانون والطب والهندسة إلى ريادة الأعمال والتعليم والاستشارات.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الشبكة قد تكمن في بعدها الإنساني والرمزي؛ إذ تمنح المشاركين شعوراً بالانتماء إلى مجتمع عالمي من الشباب القادر على التأثير والتغيير، وهو ما تحتاجه تونس اليوم أكثر من أي وقت مضى.
حين تصبح اللغة جسراً للمستقبل
في النهاية، قد يبدو تخريج 60 تلميذاً حدثاً عادياً في رزنامة الأنشطة الدبلوماسية، لكنه يحمل في عمقه دلالة أكبر: الاستثمار في الشباب لا يبدأ بالمشاريع الضخمة فقط، بل أحياناً بحصة لغة، أو مشروع تطوعي، أو فرصة تجعل مراهقاً في مدينة بعيدة يؤمن لأول مرة أن العالم يمكن أن يكون مفتوحاً أمامه.
وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية وتعليمية متراكمة، تبقى مثل هذه المبادرات بمثابة تذكير بأن بناء المستقبل لا يتم فقط عبر السياسات الكبرى، بل أيضاً عبر منح الشباب الأدوات التي تمكنهم من الحلم… ثم القدرة على تحقيق ذلك الحلم.
لمعرفة المزيد عن برنامج ACCESS ، الرجاء زيارة الموقع التالي:
https://exchanges.state.gov/non-us/program/english-access-microscholarship-program
ملاك الشوشي





