ثقافة

« ريفيم »: حين تتحول الفسيفساء إلى قصيدة… ويصبح الفن وطناً للروح

في قلب الطبيعة الهادئة بمنطقة المعمورة، حيث تلتقي زرقة البحر بامتداد الخضرة، ينبض فضاء «ريفيم» كحلم ثقافي معاصر يرفض أن يكون مجرد مكان عابر، بل يسعى لأن يتحول إلى تجربة إنسانية كاملة، تتداخل فيها الفنون بالحياة اليومية، ويتصالح فيها الإنسان مع حسّه الجمالي العميق. هذا الفضاء، الذي اختار أن يشقّ طريقه في ولاية نابل، لا يقدّم نفسه كمؤسسة ثقافية تقليدية، بل كملاذ مفتوح للخيال، وكمختبر حيّ تتقاطع داخله الرؤى والأصوات والطاقات الإبداعية القادمة من خلفيات مختلفة.

فهذا الفضاء ليس مجرّد مشروع ثقافي أُقيم على أرض تحتضنها الطبيعة، بل هو محاولة عميقة لإعادة ترميم العلاقة المنكسرة بين الإنسان وروحه، بين الجسد والمكان، وبين الفن بوصفه زينة عابرة والفن باعتباره ضرورة وجودية تمنح الحياة معناها الأعمق. ومن هنا تنبع فرادة هذا الفضاء؛ إذ يؤمن بأن الثقافة لا ينبغي أن تبقى حبيسة النخب أو المؤسسات المغلقة، بل يجب أن تنبض وسط الناس، وأن تتسلّل إلى تفاصيل حياتهم اليومية بوصفها شكلاً من أشكال العيش والحلم والتواصل الإنساني.

لذلك، لا يكتفي «ريفيم» باحتضان الفنانين والزوار، بل يطمح إلى بناء علاقة بين الإنسان والمكان، بين الفن والطبيعة، وبين الذاكرة واللحظة الراهنة. فكل زاوية فيه تبدو كأنها دعوة صامتة إلى التأمل، وكل نشاط يحتضنه يتحوّل إلى محاولة لإحياء المعنى الإنساني للفن، باعتباره لغة قادرة على تجاوز الحدود والثقافات. وهنا، لا يصبح الإبداع فعلاً نخبوياً معزولاً، بل ممارسة جماعية تنفتح على السكان المحليين، وتمنحهم فرصة المشاركة في صناعة الجمال وإعادة اكتشاف ذواتهم من خلاله. وكأنّ هذا الفضاء يذكّر الجميع بأن الجمال حقّ جماعي، وأن الفن ليس امتيازاً خاصاً بفئة دون أخرى، بل لغة إنسانية مشتركة قادرة على توحيد المختلفين حول دهشة واحدة.

وفي قلب هذا التصوّر، تستقرّ اللوحة الفسيفسائية الدائرية الضخمة التي جُسّد فيها الشاعر الروماني الكبير «فيرجيل»، والتي أُنجزت لتزيّن أرضية الساحة المقابلة لمدرّج المسرح، باعتبارها إحدى أكثر العلامات البصرية والرمزية عمقاً داخل فضاء «ريفيم». فهي لا تبدو مجرّد عمل فني أو عنصر زخرفي، بل تتحوّل إلى علامة فلسفية وروحية تستحضر ذاكرة إنسانية ممتدة عبر الزمن.

هذه اللوحة، التي يبلغ قطرها عدة أمتار، لا تكتفي بتجسيد ملامح شاعر خلّده التاريخ، بل تستحضر حضور أحد أبرز الأصوات الشعرية التي جمعت بين الحكمة والأسطورة والتأمل العميق في مصير الإنسان. ومن خلال هذا الحضور الرمزي، تصبح الأرضية أكثر من مساحة يعبرها الجمهور قبل الجلوس؛ إنّها أشبه بعتبة رمزية تفصل بين العالم الخارجي المزدحم، والعالم الداخلي الذي يفتحه الفن في أعماق الإنسان، حيث تتخفف الروح من صخب الواقع لتدخل في حوار أكثر صفاءً مع الجمال والمعنى.

لم يكن اختيار فيرجيل اعتباطياً، بل يكشف عن وعي ثقافي عميق يتجاوز الزينة البصرية نحو استحضار ذاكرة إنسانية كونية. فهذا الشاعر الذي جعل من الأرض والطبيعة والمنفى والبحث عن المعنى جوهر تجربته الشعرية، يبدو وكأنه يعود اليوم، في هيئة فسيفساء معاصرة، ليحرس فضاء «ريفيم» ويمنحه بُعداً رمزياً يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن. لقد كتب «فيرجيل» عن الإنسان القَلِق الباحث عن خلاصه وسط الخراب، وعن الروح التي لا تتوقف عن الحنين إلى موطنٍ أعمق من المكان نفسه، موطن تصنعه الأحلام والفنون والذاكرة.

ومن هنا، فإن حضوره في قلب هذا الفضاء الثقافي لا يمثّل مجرد استعادة لشخصية أدبية من الماضي، بل يتحول إلى استدعاء لفكرة الإنسان الذي يقاوم العدم بالفن، ويعيد بناء المعنى وسط هشاشة العالم.

وكما تتكوّن الفسيفساء من شظايا صغيرة تتكامل لتصنع صورة نابضة بالحياة، فإن الفن الحقيقي أيضاً لا يموت، بل يعيد تشكيل نفسه باستمرار عبر الحضارات والأزمنة، حاملاً معه الأمل الإنساني ذاته مهما تغيّرت الوجوه والأمكنة. ومن هنا، تتجاوز الفسيفساء في «ريفيم» بعدها التقني أو الجمالي لتتحول إلى استعارة عميقة للحياة الإنسانية نفسها؛ فنحن أيضاً قطع متناثرة من الذكريات والانكسارات والأحلام، ولا يصبح لوجودنا معنى إلا حين ننجح في جمع تلك الأجزاء داخل صورة أكثر انسجاماً وعمقاً. ومن هنا، تبدو هذه اللوحة وكأنها رسالة صامتة تقول إن الجمال لا يولد من الكمال، بل من القدرة على تحويل التفتّت إلى معنى.

وتزداد هذه الدلالات عمقاً من خلال الشكل الهندسي المعتمد في هذا العمل. فالدائرة، منذ أقدم الحضارات، كانت رمزاً للأبدية والديمومة والاكتـمال والاستمرارية، وعلامة على وحدة الإنسان بالطبيعة وبالكون، تماماً كالفن الحقيقي الذي يعبر الزمن دون أن يشيخ. وحين تتوسط هذه الدائرة أرضية الفضاء أمام المسرح، فإنها تمنح المكان بُعداً طقوسياً خفياً؛ إذ يصبح عبور الفنان أو الزائر فوقها أشبه بدخول غير معلن إلى عالم مغاير، عالم تتداخل فيه الكلمة بالصورة، والموسيقى بالصمت، والحلم بالواقع، ليغدو الفن تجربة شعورية كاملة تتجاوز حدود الفرجة نحو التأمل واكتشاف الذات.

إنّ هذا العمل الفسيفسائي لا يعبّر فقط عن مهارة تقنية أو حسّ جمالي رفيع، بل يكشف عن رؤية ثقافية تؤمن بأن الفن قادر على إعادة صياغة علاقتنا بالأمكنة، وتحويل الفضاءات العابرة إلى ذاكرة حيّة تنبض بالمعنى. ومن هذا التصوّر، يرسّخ «ريفيم» مكانته كمشروع ثقافي يتجاوز فكرة الترفيه أو العرض الفني المؤقت، ليغدو فضاءً للتلاقي الإنساني، ولإعادة بناء الحسّ الجماعي بالجمال بوصفه حاجة روحية لا تقلّ أهمية عن حاجات الإنسان المادية.

إنّه مكان يذكّرنا بأن الحضارات لا تُقاس فقط بما تشيّده من طرقات ومبانٍ، بل بما تتركه من أثر جمالي وروحي في وجدان الناس. فحين تنجح قطعة فسيفساء في تحويل الأرض إلى قصيدة، وحين يصبح المسرح امتداداً للطبيعة، وحين يشعر الإنسان بأن الفن يعيد إليه شيئاً فقده وسط صخب الحياة وتسارعها، عندها فقط يمكن القول إن مكاناً مثل «ريفيم» لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل يُبنى بالحلم، وبالإيمان العميق بأن الجمال قادر دائماً على منح الإنسان معنى أكثر اتساعاً وإنسانية.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى