أخبار

بنزرت… حين تتحول تونس إلى محور لإعادة تشكيل الأمن الإقليمي

لم تكن مراسم اختتام الجزء التونسي من تمرين ” الأسد الإفريقي 2026 ” في مدينة بنزرت مجرد نهاية لأسابيع من التدريبات العسكرية المكثفة، بل شكلت لحظة دالة على تحولات عميقة في معادلات الأمن الإقليمي، حيث تسعى تونس إلى ترسيخ موقعها كفاعل محوري في شمال إفريقيا.

وقد شارك السفير بَزّي، إلى جانب حاكم ولاية وايومنغ مارك غوردون ووزير الدفاع الوطني خالد السهيلي، وعدد من الشخصيات، في إحياء استضافة تونس لهذا التمرين، في مشهد يعكس تداخل الأبعاد الدبلوماسية والعسكرية والاستراتيجية. لم يكن حضور هؤلاء المسؤولين بروتوكوليًا فحسب، بل حمل دلالات واضحة حول تنامي الشراكات الدولية التي تراهن عليها تونس لتعزيز أمنها واستقرار محيطها.

تمرين عسكري برسائل استراتيجية

يُعد تمرين ” الأسد الإفريقي ” أكبر مناورة سنوية متعددة الجنسيات تقودها القيادة الأمريكية في إفريقيا، وقد بلغت نسخته لعام 2026، وهي الثانية والعشرون، مستوى غير مسبوق من حيث الحجم والمشاركة، إذ ضمت أكثر من 5600 عسكري من أكثر من 40 دولة، من بينهم نحو 500 مشارك في تونس.

وخلال حفل الاختتام يوم 29 أفريل، أكد الفريق أول جون برينان، نائب قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، أن التمرين يجسد ” وحدة وتنوع قدرات تحالف واسع قادر على مواجهة التهديدات المشتركة “، مشيرًا إلى أن هذا النوع من التدريبات يعكس تطورًا مستمرًا في التنسيق العسكري متعدد الأطراف.

نحو فهم جديد للحروب الحديثة

تميّزت نسخة 2026 بإدماج واضح للتكنولوجيا الحديثة ومجالات القتال الجديدة. فقد شهدت الأجواء التونسية تدريبات متقدمة على التنسيق بين القوات الجوية والبرية، بمشاركة مراقبين جويين تونسيين إلى جانب أنظمة استطلاع ومراقبة متعددة الجنسيات.

وعلى الأرض، نفذت القوات الخاصة التونسية بالتعاون مع وحدات من مشاة البحرية الأمريكية عمليات تسلل ومراقبة باستخدام تقنيات استشعار متطورة توفر معلومات استخباراتية آنية. كما شمل التمرين مجالات أخرى مثل الأمن السيبراني، حيث تم لأول مرة تنظيم تدريبات مشتركة في هذا المجال، في إشارة إلى اتساع رقعة التهديدات لتشمل الفضاء الرقمي.

وشملت الأنشطة كذلك العمليات الخاصة، وإزالة المتفجرات، ومواجهة الطائرات دون طيار، والعمليات البحرية، ما يعكس تحولًا نوعيًا في العقائد العسكرية لمواكبة التهديدات المعقدة.

سياق إقليمي ضاغط

يأتي هذا التمرين في ظل تحديات أمنية حقيقية تواجهها تونس، خاصة فيما يتعلق بتأمين حدودها في ظل تصاعد ظاهرة الهجرة غير النظامية، باعتبارها نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا. وقد ساهم هذا الوضع في خلق توترات اجتماعية وضغوط أمنية، لا سيما في المناطق الساحلية.

وفي هذا السياق، صادقت الولايات المتحدة على صفقة عسكرية بقيمة 95 مليون دولار لدعم قدرات تونس في مراقبة الحدود، تشمل أنظمة مراقبة متطورة وأدوات قيادة وتحكم وبرامج تدريب، بهدف تعزيز قدرة البلاد على مكافحة التهريب والتصدي لمصادر عدم الاستقرار.

شراكة وايومنغ: تعاون طويل المدى

يلعب برنامج الشراكة بين الحرس الوطني لولاية وايومنغ وتونس دورًا محوريًا في بناء تعاون مستدام، يتجاوز الطابع الظرفي للتمارين العسكرية. ويعتمد هذا البرنامج على تبادل الخبرات والتدريب وبناء الثقة بين المؤسسات، ما يعزز من جاهزية القوات التونسية وقدرتها على الاعتماد على نفسها.

كما يندرج هذا التعاون ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تمكين الدول الإفريقية من قيادة مبادراتها الأمنية بشكل مستقل، وتقليص اعتمادها على القوى الخارجية.

تونس بين الشراكة والسيادة

من خلال استضافة ” الأسد الإفريقي 2026 “، تؤكد تونس أنها ليست مجرد ساحة للتدريب العسكري، بل شريك فاعل في صياغة مستقبل الأمن الإقليمي. فالتجربة أظهرت أن التعاون الدولي يمكن أن يكون رافعة لبناء قدرات وطنية حقيقية، وليس بديلاً عنها.

ومع إسدال الستار على فعاليات التمرين في بنزرت، برز إجماع بين المشاركين على أن الروابط التي تم بناؤها خلال هذه الفترة ستسهم في تشكيل قوة مشتركة أكثر انسجامًا واستجابة للتحديات.

في عالم يشهد تحولات متسارعة، تبدو تونس وكأنها ترسم مسارًا خاصًا: تعزيز الأمن عبر الشراكة، لكن بهدف تحقيق استقلالية استراتيجية مستدامة.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى