ڨرطاج 59 :عروض ناجحة جمهور وفي و تنظيم يرسخ المكانة..

سامية الزواغي
لم تمر الدورة التاسعة والخمسون لمهرجان قرطاج الدولي مرورا عاديا إذ سبقتها حالة من الجدل الواسع رافقت الإعلان عن تفاصيلها الأولى وتعلقت أساسا بالمسائل الإدارية وبخيارات البرمجة فضلا عن النقاش الذي أُثير حول حضور أو غياب بعض الأسماء الفنية التي ارتبطت تاريخيا بركح قرطاج غير أن هذا الجدل على حدته لم يكن جديدا على مهرجان اعتاد منذ تأسيسه أن يكون محل نقاش دائم باعتباره فضاء رمزيا تختلط فيه الذاكرة الفنية بالانتظارات الجماهيرية.
ومع انطلاق فعاليات الدورة وتحديدا خلال عروضها الأولى في شهر جويلية بدأت ملامح المشهد تتضح إذ بدا أن الحكم النهائي كما جرت العادة في قرطاج لم يكن بيد النقاد أو رواد مواقع التواصل الاجتماعي بل بيد الجمهور الذي حسم موقفه بالحضور الكثيف والتفاعل اللافت مع العروض.
فقد تحول المسرح الروماني إلى فضاء مكتمل العناصر أعاد الاعتبار لفكرة الفرجة الجماعية وأكد أن مهرجان قرطاج لا يزال يحافظ على جاذبيته وبريقه وقدرته على استقطاب جمهور واسع ومتنوع .
كان حفل الافتتاح «من قاع الخابية» الذي وقعه الموسيقار محمد القرفي ليؤسس لخيارات فنية واضحة من خلال الرهان على العمل الموسيقي التونسي وعلى استحضار الذاكرة في صيغة فنية معاصرة وهو اختيار ينسجم مع فلسفة المهرجان التي تقوم على التوازن بين الأصالة والتجديد وبين الوفاء للتجربة الموسيقية التونسية والانفتاح على مقاربات حديثة في العرض والتوزيع الموسيقي وقد تواصل هذا التوجه في بقية برمجة المهرجان حيث شهدت أغلب العروض وبنسب متفاوتة حضورا جماهيريا هاما وتفاعلا كبيرا عكس عمق العلاقة التي تجمع الجمهور التونسي بالفن و بمسرح قرطاج لما يحمله من رمزية تاريخية وثقافية.
هذا الحضور كان تعبيرا عن ثقة متجددة في هذا المهرجان وفي قدرته على تقديم محتوى فني يلبي تطلعات جمهوره.
وسجل الجزء الأول من الدورة ذروة الحضور الجماهيري خلال عرض «بينومي» للفنان عزيز الجبالي الذي نجح في خلق حالة من التفاعل الكبير جعلت العرض يتحول إلى تجربة فنية مكتملة العناصر من حيث الأداء والإخراج والتواصل المباشر مع الجمهور وقد حظي العمل بإشادة واسعة ليصنف ضمن أنجح عروض الدورة سواء على مستوى الحضور أو من حيث الأثر الفني.
كما عرف عرض «البساط الأحمر» لرياض الفهري إقبالا جماهيريا لافتا مؤكدا أن المشاريع الموسيقية التي تجمع بين العمق الفني والقدرة على مخاطبة جمهور واسع لا تزال تجد مكانها الطبيعي على ركح قرطاج ولم تغب التجارب العربية والعالمية عن البرمجة حيث مثل عرض الفنان اللبناني –الفرنسي إبراهيم معلوف إحدى أبرز محطات الدورة إذ غصت مدارج المسرح الروماني بالجمهور الذي جاء للاستمتاع بتجربة موسيقية تمزج بين الجاز والموسيقى المعاصرة وفي السياق ذاته شهد عرض الفنان الفلسطيني محمد عسّاف حضورا جماهيريا كبيرا تجاوز البعد الفني ليحمل دلالات رمزية وإنسانية. كما شكلت السهرة التونسية التي جمعت أجيالا مختلفة من الفنانين لحظة احتفاء بالتنوع والاستمرارية داخل المشهد الموسيقي الوطني في تأكيد على دور المهرجان في حفظ الذاكرة الفنية وتقديمها في صيغ متجددة.
وتتالت السهرات بنفس النسق مسجلة حضورا جماهيريا منقطع النظير على غرار سهرة «شمس الأغنية» الفنانة اللبنانية نجوى كرم التي سافرت بالجمهور عبر أغان نقشت في الذاكرة منذ التسعينيات كما أطلت الفنانة الرقيقة نانسي عجرم بسحرها الخاطف لتصافح جمهورها بسهرة عانقت الروعة
وفي سهرة أخرى غصت المدارج بجمهور أتى خصيصا ليتشبع بكلثوميات وبفن طربي أصيل تكريما لروح كوكب الشرق أم كلثوم في ذكرى وفاتها الخمسين بصوت الفنانة الرائعة مي فاروق نه وكانت سهرة ولا أروع سافرت بنا إلى زمن الفن الجميل.
أما السهرة قبل الأخيرة فكانت مع الفنان آدم الذي ترك بصمة وحضورا قويين لن ينساهما جمهور قرطاج إذ غنى وأطرب الجمهور حد الانتشاء من خلال باقة من الأغاني القديمة والجديدة.
ومسك ختام الدورة التاسعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي كان بحفل «ملكي» ومبهر أحيته النجمة الإماراتية أحلام لتسجل عودتها بعد غياب دام 28 عاما حيث قدمت عرضا طربيا استثنائيا على مدى ثلاث ساعات قدمت خلالها رحلة موسيقية ثرية مزجت فيها بين أغانيها الحديثة والأغاني التونسية بمرافقة فرقة موسيقية ضخمة وقد تفاعل الجمهور بشكل كبير مع أداء أحلام مما أضفى طابعا احتفاليا يليق باختتام مهرجان عريق
نجحت الدورة التاسعة والخمسون في تجاوز كل الانتقادات ببرمجة ثرية وختام قوي لتكون فخرا يضاف إلى تاريخ المسرح الأثري بقرطاج
وتكشف هذه الاختيارات عن ملامح المقاربة التي اعتمدتها إدارة مهرجان قرطاج تحت تسيير السيدة هند المقراني مديرة مؤسسة تنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية وهي مقاربة تقوم على الجمع بين التمسك بهوية المهرجان وخصوصيته التاريخية وبين الرغبة في التجديد والانفتاح على أنماط موسيقية وتجارب فنية متعددة تونسية وعربية وعالمية في محاولة لإرضاء أذواق جمهور متنوع وقد عبر عن هذا التوجه أيضا شعار الدورة «حدشت» وهي كلمة بونيقية تعني «المدينة الجديدة» في إحالة رمزية إلى قرطاج كفضاء حضاري متجدد لا ينفصل فيه الماضي عن الحاضر.
أمّا على مستوى التغطية والتنظيم فقد نجحت السيدة يسر الخزڨي مديرة مكتب الإعلام والاتصال في الوقوف على كل تفاصيل الدورة مما ساعد على إنجاحها.
دورة موفقة أكدت أن مهرجان قرطاج الدولي شيخ المهرجانات في تونس والعالم العربي لا يزال محافظا على بريقه وقيمة ركحه وأن الصعود إلى مسرحه يظل حلما وطموحا لكل هو فنان مهما تكاثرت المهرجانات كما بينت أن المهرجانات التجارية على الرغم مما تمتلكه من إمكانيات إعلامية ومالية لم تنجح في سحب البساط منه فمهرجان قرطاج الدولي رمزية عميقة في الذاكرة الفنية التونسية و العربية




