حين تُعاد كتابة الذاكرة: ” مدرج الجم ” من أثرٍ صامت إلى تجربةٍ رقمية تُفاوض الزمن

في لحظةٍ تختزل التقاء الماضي العميق بالمستقبل الرقمي، أُزيح الستار عن تجربة الجم التفاعلية. مشروعٌ لا يكتفي بإعادة تقديم أحد أعظم المعالم الأثرية في تونس، بل يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وتراثه، عبر وسيطٍ تكنولوجي يعيد تشكيل الذاكرة ويمنحها حياةً جديدة.
وفي قلب هذه الرؤية، تُسخَّر التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة، خاصة في مجال النمذجة ثلاثية الأبعاد، لدعم منصة رقمية مبتكرة تُعيد تقديم مدرج الجم، أحد أروع مواقع التراث الثقافي في تونس.

وقد انضم السفير الأمريكي إلى المدير العام لـ المعهد الوطني للتراث، اليوم، في لحظة إطلاق هذا المشروع، الذي يجسد هدفاً مشتركاً: حماية التراث الثقافي ونقله إلى الأجيال القادمة.
ولم يكن هذا التعاون شكلياً، بل تجسد عملياً من خلال انخراط خبراء أمريكيين في مجال صون التراث في نقل خبراتهم في التوثيق الرقمي إلى نظرائهم التونسيين، حيث تلتقي التكنولوجيا بالتاريخ، والعلم بالذاكرة.
إنها لحظة امتزاج نادرة، تذوب فيها الحدود بين الابتكار التقني والعمق الحضاري، لتُنتج شكلاً جديداً من الفهم: فهمٌ لا يكتفي برؤية الماضي، بل يعيد عيشه.
مدرج الجم، الذي ظلّ لقرون شاهداً صامتاً على حضارات تعاقبت، يتحول اليوم إلى فضاءٍ حيّ ينبض بالحكايات. ليس عبر الحجارة فقط، بل من خلال شاشةٍ رقمية، وصوتٍ إنساني، وتجربةٍ تفاعلية تُشرك الزائر لا كمشاهد، بل كفاعلٍ في سرد التاريخ.
هذا المشروع، الذي أطلقه المعهد الوطني للتراث بالشراكة مع السفارة الأمريكية في تونس، يتجاوز كونه مبادرة تقنية. إنه تعبيرٌ ملموس عن تحوّل عميق في فلسفة صون التراث: من الحفظ الساكن إلى التفاعل الحي، ومن النخبوية الأكاديمية إلى الانفتاح على الجمهور العالمي.

التراث كمساحة للتجديد لا للجمود
في عالمٍ يتسارع فيه النسيان، تبدو الحاجة ملحّة لإيجاد صيغ جديدة لحماية الذاكرة. وهنا تحديداً، تتجلّى أهمية تجربة الجم التفاعلية، التي تمزج بين تقنيات النمذجة ثلاثية الأبعاد والسرد القصصي الرقمي، لتعيد صياغة العلاقة مع الموقع الأثري.
لم يعد التراث مجرد أطلال تُزار، بل تجربة تُعاش. المستخدم، أينما كان، يستطيع أن يتجول داخل المدرج، يستمع إلى روايات مستمدة من المجتمع المحلي، ويكتشف تفاصيل معمارية وتاريخية كانت، إلى وقت قريب، حكراً على المختصين.
هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن حماية التراث لا تقتصر على الترميم الفيزيائي، بل تشمل أيضاً إعادة إدماجه في الوعي الجمعي، خاصة لدى الأجيال الرقمية التي تتفاعل مع الشاشات أكثر مما تتفاعل مع الكتب.
دبلوماسية الثقافة… حين تتحدث التكنولوجيا
لا يمكن فصل هذا المشروع عن سياقه السياسي والثقافي الأوسع. فهو يأتي ثمرة تعاون تونسي-أمريكي يتجاوز البعد التقني، ليصل إلى ما يمكن تسميته بـ” دبلوماسية التراث “.
في هذا الإطار، يندرج المشروع ضمن مبادرات صندوق السفراء للحفاظ على التراث الثقافي، الذي يمثل أداة استراتيجية لتعزيز الحضور الثقافي الأمريكي عالمياً، وفي الوقت ذاته دعم الدول الشريكة في حماية تراثها.
لكن اللافت هنا، أن هذا التعاون لا يقوم على نقل المعرفة في اتجاه واحد، بل على تبادل الخبرات. فبينما توفر المؤسسات الأمريكية التكنولوجيا والخبرة الرقمية، يقدّم المختصون التونسيون المعرفة التاريخية والسياق الثقافي، ما يخلق نموذجاً تكاملياً نادراً في مشاريع التراث.
الاقتصاد الثقافي… بعدٌ خفي للمشروع
وراء هذا الإنجاز الثقافي، يلوح بُعد اقتصادي لا يقل أهمية. فالتحول الرقمي للمواقع الأثرية يفتح آفاقاً جديدة للسياحة الثقافية، خاصة في ظل التغيرات التي يشهدها قطاع السفر عالمياً.
من خلال إتاحة تجربة افتراضية غنية، يمكن لتونس أن تستقطب جمهوراً دولياً أوسع، وأن تحفّز الرغبة في زيارة الموقع فعلياً. كما يساهم المشروع في تطوير مهارات محلية في مجالات التصوير الرقمي، والسرد التفاعلي، والتقنيات ثلاثية الأبعاد وهي مهارات مطلوبة في اقتصاد المعرفة.

الذاكرة كمسؤولية مشتركة
أحد أبرز أبعاد المشروع يتمثل في إشراك المجتمع المحلي في إنتاج المحتوى. فالروايات التي تتضمنها المنصة ليست مجرد نصوص تاريخية، بل شهادات إنسانية تعكس علاقة الناس بالمكان.
هذا التوجه يعيد الاعتبار لفكرة أن التراث ليس ملكاً للمؤسسات فقط، بل هو ملكٌ جماعي، تُسهم في تشكيله الذاكرة الشعبية بقدر ما تُسهم فيه الدراسات الأكاديمية.
نحو مستقبل رقمي للتراث
تجربة الجم التفاعلية هي بداية لمسار جديد في تونس، حيث يصبح الابتكار الرقمي أداة أساسية في صون التراث وتثمينه.
في عالمٍ تتزايد فيه التهديدات التي تطال المواقع الأثرية، من الإهمال إلى الاتجار غير المشروع، تقدّم هذه المبادرة نموذجاً عملياً لكيفية توظيف التكنولوجيا ليس فقط للحماية، بل أيضاً لإعادة إحياء المعنى.
هكذا، لا يبقى مدرج الجم مجرد شاهدٍ على الماضي، بل يتحول إلى جسرٍ يربط بين الأزمنة، حيث تلتقي الحجارة القديمة بخوارزميات العصر، في حكايةٍ تُروى… وتُعاد كتابتها، كل مرة، بشكلٍ مختلف.
في أفق هذا التحول، اكتشفوا كيف تمتزج الابتكارات التكنولوجية الأمريكية مع روعة التراث التونسي من خلال هذه الجولة الرقمية لمدرج الجم:
https://tapestry.cyark.org/content/el-jem
معلومات أساسية عن صندوق سفراء الولايات المتحدة للحفاظ على التراث الثقافي: يدعم صندوق سفراء الولايات المتحدة للحفاظ على التراث الثقافي صونَ طيف واسع من التراث الثقافي، بما في ذلك المباني التاريخية والمواقع الأثرية والمجموعات الفنية لدى المتاحف واللوحات والمخطوطات. أنشأ الكونغرس الأمريكي الصندوق عام 2001 لمساعدة الولايات المتحدة على الاضطلاع بدور ريادي في جهود صون التراث الثقافي وتثمين التقاليد الثقافية. غالبًا ما تشمل المشاريع، حتى تلك التي تنفذها منظمات محلية، خبراء أمريكيين، ومنهم مهندسون معماريون ومُرمّمو قطع أثرية وعلماء آثار وغيرهم من المتخصصين في التراث الثقافي.
منذ عام 2001، استثمرت الولايات المتحدة عبر صندوق السفراء للحفاظ على التراث الثقافي في تسعة مشاريع في تونس، بقيمة إجمالية تتجاوز مليون دولار أمريكي (أكثر من 3.2 مليون دينار تونسي). يُسلّط كل مشروع الضوء على جوانب متميزة وهامة من الهوية الثقافية التونسية، بدءًا من صون المواقع الأثرية ووصولًا إلى التراث غير المادي.
معلومات حول مشاريع صندوق السفراء للحفاظ على التراث الثقافي في تونس:
https://tn.usembassy.gov/ambassadors-fund-for-cultural-preservation.
نبذة عن المبادرة المجتمعية لتبادل التراث (CHEI): تُبرز مشاريع هذه المبادرة الخبرة الأمريكية في مجال المتاحف والتراث الثقافي، بما في ذلك إدارة المتاحف، والحفاظ على المواقع التاريخية، وممارسات الإدارة المسؤولة.
نبذة عن اتفاقيات الملكية الثقافية: لدى الولايات المتحدة حاليًا اتفاقيات ملكية ثقافية مع 30 دولة، من بينها تونس. تحمي هذه الاتفاقيات جامعي التحف الأمريكيين من شراء الآثار المنهوبة والمهربة، وتُفكك شبكات تمويل الإرهابيين والعصابات الإجرامية. والأهم من ذلك، تُسهّل هذه الاتفاقيات إعادة التراث المنهوب إلى بلدانه.
ملاك الشوشي




