دولي

إفريقيا تبحث في سوسة عن سيادة مناخية: التكنولوجيا والتمويل في صلب المعركة

لم يكن الملتقى الإفريقي لنقاط الاتصال الوطنية لمركز وشبكة تكنولوجيا المناخ، المنعقد يوم 23 مارس 2026، مجرد لقاء تقني عابر، بل شكّل منصة سياسية-اقتصادية تعكس تحوّلًا عميقًا في مقاربة القارة الإفريقية لملف التغيرات المناخية: من موقع المتلقي للحلول إلى فاعل يسعى لامتلاك أدواتها وصياغة أولوياته.

الملتقى، الذي نظمته وزارة البيئة بالتعاون مع مركز وشبكة الأمم المتحدة للتقنيات المناخية، جمع خبراء من 50 دولة إفريقية في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الضغوط المناخية مع تحديات التنمية، وتبرز فيها رهانات السيادة التكنولوجية والعدالة المناخية.

من التبعية التكنولوجية إلى بناء القدرات

أحد أبرز محاور النقاش تمثل في الإقرار بأن الفجوة التكنولوجية لا تزال تمثل عائقًا هيكليًا أمام الدول الإفريقية. فبينما تتسارع الابتكارات في مجالات الطاقات المتجددة والزراعة الذكية وإدارة المياه، تواجه العديد من البلدان صعوبات في النفاذ إلى هذه التقنيات، سواء بسبب كلفتها أو القيود المرتبطة بنقل المعرفة.

وفي هذا السياق، شدد المشاركون على أن نقل التكنولوجيا لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية، تستوجب شراكات أكثر توازنًا مع الدول الصناعية، تقوم على تقاسم المعرفة لا احتكارها، وعلى بناء القدرات المحلية بدل الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة.

التمويل: الحلقة الأضعف في معادلة المناخ

رغم تعدد المبادرات الدولية، لا يزال التمويل المناخي يمثل التحدي الأكبر. ووفق ما طُرح خلال الملتقى، فإن العديد من المشاريع المناخية في إفريقيا تبقى حبيسة الدراسات بسبب تعقيد آليات التمويل وضعف الوصول إلى الصناديق الدولية.

ودعا الخبراء إلى تبسيط الإجراءات، وتطوير أدوات تمويل مبتكرة، مع تمكين المؤسسات المحلية خاصة الناشئة منها من الولوج المباشر إلى الموارد المالية. كما تم التأكيد على ضرورة ربط التمويل بنتائج ملموسة، تضمن الاستدامة وتفادي المشاريع الظرفية.

الذكاء الاصطناعي: فرصة لتجاوز القيود

لأول مرة، يحتل الذكاء الاصطناعي موقعًا متقدمًا في نقاشات المنتدى، حيث تم طرحه كأداة قادرة على تسريع التحول المناخي في إفريقيا، من خلال تحسين إدارة الموارد الطبيعية، والتنبؤ بالكوارث، ودعم اتخاذ القرار.

غير أن هذا التوجه يطرح بدوره تحديات جديدة، أبرزها ضعف البنية التحتية الرقمية ونقص الكفاءات، ما يستدعي استثمارات موازية في التعليم والتكوين، حتى لا تتحول الفجوة الرقمية إلى عامل إقصاء إضافي.

تونس كنموذج انتقالي

في هذا المشهد، تحاول تونس تقديم نفسها كنموذج إقليمي في إدارة الانتقال الإيكولوجي، من خلال تبني استراتيجيات وطنية تجمع بين التكيّف والتخفيف. وتشمل هذه السياسات إعادة تأهيل المناطق الهشة، وتوسيع استخدام الطاقات النظيفة، وإدماج التكنولوجيا في مختلف القطاعات الإنتاجية.

غير أن التحدي الحقيقي، كما أشار بعض المتدخلين، لا يكمن فقط في وضع الاستراتيجيات، بل في تنفيذها على أرض الواقع، في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.

نحو خارطة طريق إفريقية مشتركة

الرهان الأكبر الذي خرج به الملتقى يتمثل في صياغة خارطة طريق إفريقية موحدة، تعكس خصوصيات القارة وتطلعاتها. هذه الخارطة لا تقتصر على الجوانب التقنية، بل تمتد لتشمل أبعادًا سياسية، تتعلق بتموقع إفريقيا في المفاوضات الدولية، وقدرتها على الدفاع عن مصالحها في قضايا المناخ.

في سوسة، لم يكن النقاش فقط حول كيفية التكيّف مع التغيرات المناخية، بل حول من يملك القرار في تحديد مسار هذا التكيّف. وبين التكنولوجيا والتمويل والسيادة، تبدو إفريقيا أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة علاقتها بالمناخ… ليس كضحية، بل كشريك فاعل في الحل.

ملاك الشوشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى