أخبارتونس

في الذكرى 38 لتأسيس حركة النهضة مسار يقتضي التّدقيق والمراجعات في الاقتصاد والسّياسة والتّنظيم

بقلم زبير الشهودي عضو مجلس شورى

 

في الذكرى 38 لتأسيس حركة النهضة

مسار يقتضي التّدقيق والمراجعات

في الاقتصاد والسّياسة والتّنظيم

 

مرة أخرى تمر ذكرى تأسيس حركة النهضة في أوضاع شديدة التعقيد إقليميّا ومحليّا باعتبار المتغيرات الجيوستراتيجية في المنطقة العربية خصوصا، هذه المنطقة التي تكابد صراعا عميقا من أجل تحرير الإنسان والأوطان تحقيقا للتّنمية وبناء الحضارة، فالرّهان على المواطن العربي من خلال تاريخه ووعيه يثبت مقدرة هائلة على التّغيير والإصلاح رغم المكائد والمؤامرات التي تحيط بالعمق العربي والإسلامي.

أما محليا فيتّسم الوضع باستمرار تفاقم غياب النّجاعة الحكوميّة في الخيارات الاقتصادية واستمرار التّوظيف غير الأخلاقي لمآسي النّاس والمحاولات المتكررة لخوض معارك إيديولوجية تفوّت علينا فرص الثورة التنموية المنشودة والتي لا ينقصها إلا الإرادة الجماعية للتونسيين، والأكيد أنّ حركة النهضة تتحمل جزء من المسؤولية مع شركائها رغم أنه يحسب لها قدرتها على استيعاب الصّدمات المتتالية التي تستهدف استقرارها وتعيق أدوارها الوطنية من خلال حملات تشويه ممنهجة تضيع البوصلة وتوقعنا في بعض الأحيان في خطابات تبريرية لا فائدة منها.

 ولكن يبقى من المسؤولية التّاريخية أن تراجع حركة النّهضة خيارات اقتصادية سلكتها عبر المصادقة على أغلب ميزانيات ما بعد الثورة كما عليها أن تراجع وتصحّح خيارها السياسي المبني على التشاركية في إدارة الحكم والحرص على التوافقات.

اقتصاديا: ضرورة التمايز عن الخيارات الليبيرالية المشطّة التي ميزت أكثر من اجراء حكومي والتي تتطلب مراجعة نحو الانحياز للخيارات الاجتماعية التي نصت عليها لوائح المؤتمر العاشر، اذ استمرار غياب التوازن الجهوي وقصور الجهد المبذول من الحكومات المتعاقبة في تفعيل التمييز الإيجابي للمناطق الداخلية جعل هذا العمق التونسي يتعرض لأبشع أساليب التوظيف السياسوي والعبث بمآسي الناس واستغلال وسائل الاعلام الخاصة في الغرض.

لقد ظلّت النهضة وفية لمبدأ إسناد الحكومات المتتالية ودعمها ويتضح ذلك جليا من خلال المصادقة على معظم ميزانيات الدولة التي تدار تحت ضغوطات عديد القطاعات وإكراهاتها وتحت وطأة تجاذب جليّ بين منظومتي اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف وفي غياب لافت للاتّحاد الفلاحين، إذ غياب التّوافقات الاستراتيجية بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين ضيّع بوصلة البلاد وجعل من الخيارات الإصلاحيّة في تيه لا نعرف له قرار  

ويعد ملف كتلة الأجور وملف البطالة الأكثر تعقيدا، فهذا الالتزام في ميزانية الدولة بحجم هائل من الموظفين يقتضي شجاعة ومراجعة في توزيع هذه الموارد البشرية الهائلة لتتحول إلى قوة عمل وإنتاج بدل أن تبقى عامل احتجاج وترقّب لكلّ طارئ اقتصادي، وحسب عديد التقديرات يقتضي وضعنا الحالي المعقّد خاصّة في غياب أفق لتطوّر الأوضاع في الجارتين  تطويرا نوعيّا في مجال الاستثمار الفلاحي من أجل تقوية الإنتاج واستثمار تصديره نحو الأسواق القريبة والبعيدة في ظل تطوير القدرة التّنافسية من حيث جودة الإنتاج والأسعار وقد يكون هذا الميزة الوحيدة لانخفاض قيمة الدينار.

سياسيا: لقد بذلت النهضة جهدا كبيرا في استيعاب المنظومة القديمة وإدماجها في خيار الديمقراطية تحت سقف الدّستور وبذلت من اجل ذلك الكثير من سمعتها وشعبيتها توقيا لأي احتراب داخلي وصدّا للمؤامرات الخارجيّة المتتالية التي لا تستهدف النّهضة فحسب بل التّجربة الديمقراطية برمّتها.

هذا الجهد الذي قضت به الخيارات السياسية وأملته نتائج صندوق منظومة 2014 أثبت  عمق الهوة بين بناة الجمهورية الأولى ومناضلي دستور 2014 بسبب تشتت هذه المنظومة وغياب الشجاعة السياسية في المراجعات الّا نادرا ممّا جعل من فكرة (التوافق) ظرفية وضيّقة رغم أنّ هذا الكيان (المنظومة القديمة) يبقى الأقرب للدفاع عن الهويّة والدّولة رغم التشويش الحاصل في بعض القضايا (الميراث).

هذا الكيان الذي يستمدّ قوّته الرمزيّة من سرديّة التّأسيس الأوّل أنهكته حروب الزّعامات وقتلت فعاليته فغياب جيل كامل من المؤسّسين لم يخلف بعده أثرا يذكر ممّا جعل من تجربة التعايش (التوافق) هشّة، ورغم ما حقّقته من سلم أهلي جنّب البلد المصير المدمّر لتجارب أخرى لكنّها لم تثمر شيئا كثيرا على مستوى البناء الدّاخلي خاصّة الاقتصاديّ التنمويّ،  بل اتّسم خطاب هذه المنظومة وممارستها السياسيّة بانتهازية جلية، والغريب هو تفصّي هذه المنظومة من مسؤوليّتها التاريخية لما آلت إليه أوضاع البلد وكان من المفروض من باب الأخلاق السياسيّة الإقرار بأخطاء دولة الاستقلال، بل حتى فترة بن علي ورغم الإجماع على مساوئها لم نسمع لشخصيات اعتبارية مواقف مبدئية شجاعة في التقييم والنّقد

 كلّ هذا يقتضي من حركة النهضة التدقيق في هذا الخيار التّوافقي، فالتعاقد مع أي شريك في السياسة من أجل البناء يقتضي التزامات واضحة ومواضع شراكة دقيقة، أمّا البناء الفوضوي للتوافق فقد أثبت محدوديّته وعدم نجاعته

  فهل ستفرز منظومة 2019 مشهدا أكثر انحيازا للخيارات الاقتصادية الاجتماعية الخادمة للتنمية أولا ولشراكة سياسية مسؤولة ثانيا؟

تنظيميا: إن خيار المؤتمر العاشر في إرساء الانفتاح وإدماج الفعاليات المجتمعية في الفعل السياسي خيار صائب ولعل إدماج نصف المترشّحين من المستقلين في قوائم بلدية 2018 أثبت صدقيّة الخيار، فرغم بعض الهنّات وسوء التّقدير في أكثر من موضع (باردو نموذجا) فإنّ هذا الخيار صحيح ويُثَمّنُ عاليا إصرار القيادة المحلية بباردو على ترشيح مستقلة شابة على رأس قائمتها للانتخابات الجزئية المزمع إجراؤها في 14 جويلية 2019 ، فالتقدير الخاطئ في الانفتاح يقتضي الإصرار على الانفتاح وليس الانكفاء الدّاخليّ.

 ولأنّ للحركة ديناميكية عالية فاستعدادها لرهانات المؤتمر 11 ينظر إليه باعتباره تحدّيا هائلا اذ الانتقال القيادي سيكون نوعيا ويحتاج إلى حوارات داخلية عميقة ومسؤولة تؤمن استمرار هذا الجسم السياسي الذي صمد طويلا ضد الاستبداد والمؤامرات والاستهداف العشوائي.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى